مفاوضات جنيف2 على ماذا وبين من ومن ؟

صلاح بدرالدين

بعد أن انتقلت التظاهرات الاحتجاجية السلمية منذ آذار قبل ثلاثة أعوام وبسيرورة موضوعية منطلقة من الحاضنة الشعبية الوطنية والحراك الشبابي الثوري أمام تحديات نظام القتل والاستبداد الى انتفاضة ثورية دفاعية شاملة ثم تحولها الطبيعي بفعل العوامل الداخلية والخارجية وظاهرة الانشقاق في المؤسسة العسكرية التي أدت الى تلاقح  عضوي مابين العسكري والمدني نجمت عنها الثورة الراهنة بتشكيلاتها وفصائلها وقواها وبكل جوانبها المتشعبة ونواقصها وانجازاتها واخفاقاتها ومظاهر الثورة المضادة التي تظهر وتتراوح بين المد والجزر من وسط جماعات الإسلام السياسي والتي ترافق عادة ثورات الربيع في منطقتنا
نقول أن هذه الثورة تنطلق من ثوابت استراتيجية لايمكن المساس بها وأولها استهداف نظام الاستبداد واسقاطه وتفكيك سلطته رموزا ومؤسسات أمنية – عسكرية وإدارية وحزبية واقتصادية ثم الانتقال الى مرحلة الكفاح السياسي وإعادة البناء وصولا الى تحقيق الدولة الديموقراطية التعددية وفي تلك المسيرة لن يكون التفاوض مع النظام سبيلا الا في حالة التسليم والاستلام وتقديم الجناة الى القضاء الوطني ومحاكم الجنايات الدولية أما مايقوم به وفد – الائتلاف – بدور المفاوض مع وفد النظام باسم الثورة وبدون أي تجريح أو إهانة نقول أنه يغرد خارج السرب الوطني الثوري وخارج اجماع  الثورة وأقصد هنا الجيش الحر والحراك الثوري ناهيك عن الجماعات الإسلامية المقاتلة في الميدان خارج سفطاط (داعش والنصرة) وبات معروفا أن التمهيد لاقرار التفاوض مع النظام والتصويت وأسماء الوفد كان بفعل الإرادة الخارجية والتوافق الأمريكي الروسي والضغوطات الإقليمية (عبر التلويح بقطع المساعدات) ورضا النظام بصورة غير مباشرة ولن يغير من هذه الحقيقة حتى لو انضمت الى الوفد في جولات قادمة  كتلا وتيارات أخرى من – هيئة التنسيق – وغيرها .

حساب الربح والخسارة في جنيف2:
اذا كان الوفد القادم من دمشق يمثل النظام برموزه ومؤسساته وخطابه بكل بشاعته وعنجهيته ويعبر عن حكومته وسياسته في الشكل والمضمون فان وفد – الائتلاف – يعاني من إشكاليات عديدة من أبرزها عدم تمثيل الثورة التي لم تخوله للذهاب الى التفاوض مع ممثلي النظام ولأنه لايعبر عن كل أقرانه من أطياف – المعارضات – فالثورة منذ اندلاعها تدفع ثمن أهدافها وشعاراتها وفي المقدمة : اسقاط النظام بكل الرموز والمؤسسات من دماء عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من المعتقلين والمخطوفين والملايين من المهجرين والمشردين ودمار حوالي نصف المدن والمراكز ومعظم قواعد البنى التحتية وهي ملك الشعب السوري أما انغماس وفد – الائتلاف – في الجزئيات والابتعاد عن الهدف الرئيسي والبحث عن موافقة وفد النظام على بعض المطالب كنوع من الاستجداء فان ذلك سيفيد النظام على أنه شريك وطني ومصدر للقرار من موقع الند وليس المسؤول الأول والأخير عن دمار البلاد وقتل وسجن وتشريد العباد وما نلاحظه من وسائل الاعلام واطلالات أعضاء وفد – الائتلاف – الأساسيين الإعلامية فان التوجه السائد هو العمل على التصالح مع النظام كما هو والتشارك معه في حكومة ائتلافية وبالرغم من تنظيم الوفد بمراعاة مشاعر أهل النظام ووفده وأرجحية أعداد الأعضاء الذين كانوا حتى الأمس القريب في حضن النظام والموالين له وفي أحسن الأحوال من طلاب الإصلاح وليس الاسقاط تماما مثل فاروق الشرع وغيره من أعمدة الحكم نقول رغم ذلك فان تقديمات الوفد – المعارض – ليس مقبولا .
 وحتى الآن فان الحجة الوحيدة لتبرير التفاوض هو الادعاء( حتى لاتنحرج – المعارضة – أمام المجتمع الدولي ؟) ولكن ماموقف ذلك المجتمع (وهو المحرج الأكبر في القضية السورية) من الدول والقوى الكبرى وأعضاء مجلس الأمن وأصدقاء الشعب السوري والجامعة العربية من القضية السورية ومطالب الشعب وأهداف الثورة ؟ منذ ثلاثة أعوام لم يحرك المجتمع الدولي ساكنا تجاه الأزمة السورية ومعاناة السوريين ولم يستجب لنداءاتهم من أجل الدعم والحماية ووقف حمام الدم ومحاسبة النظام حول كل جرائمه ضد الإنسانية ولم يتجاوز الموقفان الدولي والإقليمي من جانب من يحسب – صديقا – للشعب السوري الإعلان عن ضرورة رحيل الأسد وحاشيته والحفاظ على النظام المستبد القائم على حساب حرية وكرامة ومستقبل الشعب السوري منذ حوالي نصف قرن والمسؤول بجميع مكوناته الرئاسية والأمنية والعسكرية والحزبية والإدارية والاقتصادية عن محنة السوريين وخراب بلادهم .

  أخيرا هل وقع الائتلاف في الفخ ؟ وهل ذهب بعيدا في الهروب الى أمام ؟ وهل أن انتهاج سبيل التفاوض مع النظام بهذه الطريقة يشكل ضربة في ظهر الثورة السورية وبالتالي تجسيدا لنوع من الردة على أيدي المتطفلين على الثورة ومتسلقيها ؟ أوانقلاب أبيض على الثورة من جانب أهل النظام المستترين في صفوفها ؟ واذا كانت الردة قد بدأت عسكريا من جانب (داعش واخواتها) وحصل مالم يكن بالحسبان فيمكن حصول ذلك على الصعيد السياسي أيضا والأيام والأسابيع القادمة كفيلة بتوضيح الأجوبة على هذه التساؤلات .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…