اغتيال مقر المحاميين في كوباني …. الغاية والدلالة

عبد الجبار شاهين

كلنا نعلم في كوباني مقر المحاميين والناشاطات الثقافية التي كانت تدور في فلك ذلك المقر الذي تحول الى مركز للنشاطات الثقافية التنورية وبات ملتقى للمثقفين من كافة الاختصاصات من القانونية الى التاريخية والفلسفية وحتى الطبية وكان يتم التطرق في هذا المقر عبر المحاضرات التي كانت تلقى من قبل الاساتذة المحاميين الى مختلف جوانب الحياة من الاجتماعية الى الاقتصادية والسياسية .

على مايبدو ويستشف من استيلاء رعاة الادارة الذاتية على هذا المقر هو ان هذا المركز شكل خطراً حقيقياً على الجهل ودعاته لذلك اتت السيطرة على هذا المقر بحجج واهية وقبيحة اكثر من الذنب ليغلقوا هذا المتنفس الوحيد للمثقفين من كافة شرائح المجتمع في كوباني
 وليحولوا هذا المركز الى مقر “للبرلمان” الذي بدوره سيكون مقراً لنشر الجهل والرعب وليكون بؤرةً للفساد والكذب والاستخفاف بعقول الناس لنشر للكذب والجهل بدل من العلم والتنوير الذي اخافهم وبالاخص شكل نشاطات هذا المقر مصدر لازعاجهم وخوفهم من نشر العلم والتنوير كون هذا المركز كان يتحول تدريجياً ليكون مقراً للثورة الثقافية التنويرية وهذا هو الذي ارعبهم بالضبط لان نهجهم لا يتماشى مع العلم والثقافة والمتنورين.

في خضم كل الصراعات على تنوعها يتحمل المثقفون التقدميون اعباءا استثنائية سواءا بدورهم في التنوير او في التهدئة او ما يعانوه من جانب الهجوم المضاد من قبل قوى الظلام والتراجع . وبحكم طليعيتهم الناجمة عن وعيهم المسبق وريادتهم التغيريية  فان الضغوط تتنوع من الترغيب والتهديد الى الاعتقال أوالتشريد والنفي أو الاغتيال. ومذ كان المثقف شاعرا فقط كان هدفا مهما في الحروب الى ان صار المثقف التنويري ملاحقا من السلاطين والولاة الطغاة لما يشكله المثقف ـ وعي ونتاج ـ تهديداً لعروش الحرير وقيمهم الاخلاقية والسياسية المعادية لارادة الشعوب .
ويتنوع الضغط  شكلا ومضمونا تبعاً للوعي الجمعي للمجتمع ولحدة وشدة تخلف المعادين انظمة كانوا ام منظمات او حتى افراد ، تلك القوى التي اخذت على عاتقها عاراً في التصدي للمثقفين تشهيراً وملاحقةً وقتلاً ، فالحلاج الذي اتهم بالسحر والشعوذة وثم الالحاد انتهى به الامر قتيلا في القرن الرابع الهجري ، وغاليلو الذي خرج عن مقولات الكنيسة وحكم عليه بالصلب في القرن السابع عشر الميلادي واعفي عنه لتراجعه هو عن موقفه انتهى به الامر حبيس داره الى ان مات في عام 1642 م نماذجاً لما يعانيه المثقف التجديدي وصولاً الى العصر الحديث حيث يكون المثقف المع الضحايا ….. ويشكل استهداف المثقفين بجميع الاحوال والاشكال احد المؤشرات الهامة ونقاط التحول في مسيرة الثقافة والوطن .
في كل الحالات فان استهداف الثقافة والمثقفين برزت بشكل دراماتيكي في توجه السلطه الدكتاتورية الصدامية التي استهدفت المثقفين بأشكال شتى بدءاً من الاغراء والتهديد مستميلة جزءاً منهم اليها والملاحقة والتشريد حيث غادر جمهرة واسعة من المثقفين الكرد وطنهم مرغمين.

 فماهي خطورة المثقفين على هؤلاء ؟.
يعلم انصار الجهل والظلام ان اي توسع في المعرفة على المستوى الشعبي يؤدي بالضرورة الى انحسار التابعين لهم والمتلقين لتعليماتهم، وصراع القوى الظلامية مع العلم والثقافة النيرة ليس صراعاً مع افراد بقدر ماهو صراعا مع حركة تطور المجتمع بشكل عام فما ان ينير ضوءٌ مساحة قليلة حتى ينحسر الظلام وهكذا يزحف العلم والمعرفة بين ثنايا المجتمع الذي سيجعل دور الكذب والخداع واستغلال العواطف القومية الجياشة  اقل تاثيراً وصولا الى نهايته المحتومة لما يحمله العالم من تطورات علمية تؤدي بالاخيرالى تحررالانسان من كل قيود الظلام والتخلف ،ولان رموز القتل يعرفون كل تلك الحقائق فأن اختيارهم للمثقف لا يأتي عن جهل بل عن دراية ومعرفة بحجم ودور المثقف التنويري وما يستطيع ان يفعله في تقليص مساحات تحركهم لايغال المجتمع والناس اكثر فأكثر في الجهل وبالتالي فأن الارضية التي يتمنون ان تبقى خصبة لهم دائما سوف تتقلص مساحتها بشكل يقلل من نفوذهم وتأثيرهم على مجمل حركة التطور وليس على الانسان كفرد فقط ، لذلك فانهم باغتيال المثقف الانسان لايبغون منه انهاء حياة ـ رغم بشاعة الموقف ـ بقدر ماهو محاولة لايقاف فكر وثقافة من السيروالتطور المتصاعد واعلان حرب التخلف ضد العلم والتطور، وايضا فان الاغتيال هو عملية بث للرعب ليس فقط في اوساط المثقفين ومحاولة الحد من تحركهم ونشاطهم بل وايضا بث للرعب في اوساط عموم الناس وتحذيرهم من الاقتراب من افكار ومبادئ هؤلاء المثقفين وبنفس الوقت فأنه اعلان قوة ووجود بما يشكله كل ذلك من تهديد للمجتمع والبشر وللتطور العلمي المتنامي  وكذلك للسلم الاهلي ومحاولة جر قوى المجتمع المتباينه الى حرب لا يستفيد منها الا التخلف والتراجع والظلام ومن يقف وراءه من قوى مستفيده اقتصاديا وسياسيا وفكريا ربما لا تمت الى البلد المعني بصله بقدر ماهي تسعى الى ايقاف التطور في بلدانها عن طريق ارهاب الاخرين وقمعهم بشتى الطرق .
ان اغتيال المثقف الذي تمثل في كوباني  بالاستيلاء على مقر المحاميين نموذجاً هو حرب الجهل ضد العلم ، وحرب التخلف ضد التقدم، وحرب الكذب والخداع  والسحر والشعوذة ضد علمنة المجتمع والشعب .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…