صراع الديكة

الدكتور شمدين شمدين 

في إحدى السهرات مع بعض الأصدقاء وتلبية لدعوة أحدهم للمشاركة في رقصة كوردية معروفة بعنوان (الكورمانجي ) وقفت أجرب مدى التقدم الذي أحرزته في تعلم هذه الرقصة الرائعة بحسب معظم عشاق مثل هذه الرقصات ، ومع كثير من التخبط في الحركات ،وقليل من الإلمام بحركة الأكتاف، صرت أراقب خطوات قائد الحلقة ،وأقلد ما أمكن حركاته حتى لا أبدو شاذا عن الآخرين ،بل حتى لا أفسد مدى النجاح التي حققته المجموعة في تكوينها لحلقات متناسقة كموج البحر
وفي هذه اللحظة بالذات تبادر إلى ذهني سؤال غريب ، لماذا ياترى نحن أبناء الشرق نحب هكذا رقصات تتصف بشيء من الروتين والرتابة في الحركات ، لماذا لم يوجد في تراثنا، كما الغربيون نوع من الرقص الافرادي الذي يتصف بطابع أكثر حرية في الحركة ، هل هو الخوف الذي ظهر في بداية الخليقة مع تكوين الإنسان الشرقي لفلسفته المعروفة في تفسير الوجود البشري ، هل هي الحياة الشرقية التي بنيت على الغزوات والحروب مما أدى إلى تعشش الخوف داخل كل تفاصيل الجسد الشرقي، مما حدا به إلى البحث أبداً على التكاتف الظاهري ،والتلاصق حتى في رقصاته من اجل صد موجة الخوف القادمة دائما من جهة الأعداء واللصوص ، و مع معرفتنا التامة بتاريخ الشرق  المبني على بحار الدماء المراقة في سبيل الذات الشخصية نستغرب مثل هذه الرقصات ، إذ إن الشرقي بطبعه كان ميالا إلى حب الحرية والاستقلال ، ولكن في الوقت نفسه ،ومع نمو الفكر الديني لدى هذا الشرقي ، و ظهور التحول الحضاري في بداية الانتقال من حياة البداوة واللااستقرار إلى الحياة الزراعية وما يتطلبه ذلك من جهود جبارة ومن بحث دائم عن الطرق الأنسب لنقل المياه إلى هذه الأراضي العصية على الاستصلاح، بدأ الشرقي يبحث عمن يدعمه ماديا ومعنويا ،فرضخ من جهة لمالك قنوات الري الذي رسم لنفسه هالة إلهية بحيث أصبحت يده يد الخير وغضبه من غضب الله ، ومن جهة ثانية ا تجه نحو التكاتف مع أسرته للقيام بأعباء الزراعة الكبيرة ، و هنا تولدت لدى هذا الإنسان شعور كبير بالحاجة إلى قائد  مدعوم من الإله يحميه من أخطار الطبيعة  القاسية كالبروق والسيول التي تتلف المحاصيل وتنشر بالتالي القحط والجوع ، ويمده  في الوقت نفسه بحاجته من مياه الري اللازمة لوصول المحصول إلى محطته الأخيرة في النضوج والجني  لصناعة قوت الشتاء والأيام العجاف ،  وفي هذه اللحظة بالذات بدأ الشرقي يتخلى عن آلهته المتعددة التي كانت توفر له الاستقلال والحرية القبلية والعائلية ، في سبيل اله أوحد ، ومخلص أوحد وفي النتيجة ملك أوحد وقائد أوحد ، ومع مرور الزمن واعتماد الشرقي على غيره في صد أخطار الطبيعة والبشر الأعداء ،تولد في داخله ما يشبه نوع من فقدان الثقة بالنفس والبحث الدائم عمن يقدم إليهم القرابين وفروض الطاعة ، ومع تولد هذا الشعور الذي لازم الشرقي إلى وقتنا هذا ،و الذي انعكس في مختلف سمات الحياة الشرقية حتى في الرقصات والغناء الجماعي ، بقي هذا الإنسان يعيش صراعا دائما بين النفس المشتاقة إلى الماضي البدوي الحر ، والواقع المفروض المبني على الخوف وانعدام الثقة بالقدرات الذاتية ، وهذا بالضبط ما ظهر ويظهر جليا في الواقع الشرقي المعاصر ولا سيما في العراق الذي تحرر أخيرا من قبضة الملك الأوحد والمخلص الأوحد فبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على الانتخابات العراقية التي مثلت بداية ما سمي عهد الحرية ، لا زال العراقيون يتنازعون على شخصية رئيس وزرائهم القادم ، ففي حين تتمسك إحدى الكتل بمرشحها الأوحد لهذا المنصب تقف القوائم والكتل الأخرى في الضد من هذا الترشيح ولكل منها مبرراتها الخاصة ، ولكن بغض النظر عن هذه المبررات نتساءل يوميا ونسأل أصحاب هذه الكتل هل أصبحت الشخصية إلى هذه الدرجة من القداسة ، هل خلا هذا الشعب الذي يقتل يوميا بالعشرات من مثيل لهذا القائد أو ذاك ، وما مصداقية تمثيل هذه الشخصيات لأراء ومطامح الشعب ، بل هل وصل هذا الشعب إلى الحد المطلوب من الوعي السياسي والفكري ليقرر الشخصية الأكثر قدرة على تلبية مطالبه في الرفاه الاقتصادي والحرية الفردية ، أم هل تحتاج  مثل هذه الشعوب إلى فترة من الانتداب الخارجي يؤمن لها فرصا متساوية في التعلم والمعرفة تقودها إلى فهم أوضح للواقع والشخصية القادرة على قيادة وتصحيح هذا الحاضر المتردي ، ولا سيما في ظل الاختيارات المعقدة والصعبة والمبنية على أسس طائفية للقيادات والشخصيات المرشحة لنيل المناصب التي سوف تحدد طبيعة العراق المستقبلي وطبيعة تفكير ووعي الأجيال القادمة، والتي ستحدد بدورها ودون أدنى شك مستقبل الشرق بدوله وشعوبه العريقة في التاريخ والعريقة في الصراعات ما بين الفئات الحاكمة ،التي تدفع ثمنها دوما الطبقات الدنيا والفقيرة في هذه الدول.
من تاريخ تجسد في التكاتف الظاهري بين أبناء الشرق ، وواقع يتصف بالخوف من القادم المجهول ، وفقدان للثقة بالنفس عند الفرد الشرقي، تظهر ملامح مرحلة متوترة وانتقالية في حياة هذه الأمم ، مرحلة ما زال الكبار يرسمون ملامحها وتفاصيلها الدقيقة مثلما رسموا تفاصيل ماضيها المأساوي ، وبخلاف الغرب الذي أعطى الحرية لأبنائه ليشكلوا مستقبلهم وحياتهم الخاصة بالطريقة التي يرتئونها ، وليغنوا ويرقصوا فرادى وبحرية كاملة  ، فأن الشرقي مازال منقادا في حلقة الرقص والحياة لقائد الحلقة الذي يرى فيه الأقدر على قيادة هذه الحلقة نحو التجانس والنجاح ،وفي سبيل ذلك ليس مهما لديه القدر ة على الإبداع في الحياة بل المهم ألا يظهر شاذا عن الآخرين،حتى وان لم تكن لديه القناعة الكاملة في قائد هذه الحلقة وليس بالمهم لديه إلى أين يمكن أن يقوده هذا القائد حتى وأن قاده إلى الاصطدام مع الحلقات الأخرى فيما يمكن أن نسميه صراع الديكة ، الذي يمكن أن يقود بدوره إلى فناء الحلقة أو انهيارها ، وبالتالي انهيار وفناء الجميع.
نعم مازال هذا التصور حاضرا بقوة في نفس الإنسان الشرقي ورغم كل القتل والدمار الذي نراه يوميا.

ما زال الشرقي يرى في حلمه القديم بالعودة إلى الحياة الحرة غاية بعيدة المنال، ولكونها بعيدة ما زال راضيا بالحراك كفرد ضمن حلقة الحياة المتلاصقة، خوفا من الأمواج العاتية التي ما زالت تصب جام غضبها على الأرض الشرقية الغنية بالخير وبالحب والسلام.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…