بؤس من يجعل من الرموز الوطنية أصناما

دلكش مرعي

يعد ثقافة الولاء والتبعية والخضوع لرأس القبيلة أو الطائفة أو العقيدة أو تصنيم القائد الرمز يعد من بين الثقافات المتأصلة بين شعوب هذه المنطقة وهذه الثقافة هي نتاج أمور ووقائع متعددة  من بينها خلو وإفلاس الميراث الثقافي من البنية الفكرية والمعرفية الصحيحة بالإضافة إلى ترهل العادات والتقاليد وخطوطها الحمر وسيطرة الذهنية الأصولية على قناعات الناس وغيرها من القيم والأفكار المتخلفة والضحلة في هذا المجال وهذه الإفلاس يجعل الفرد فاقداً القدرة الذاتية لإثبات كيانه الشخصي الحر المستقل والاعتماد على ذاته لحل قضياه العامة بالإضافة إلى فقدانه للحصانة الفكرية التي تقيه من الوقوع في براثن الفلسفات الفكرية والعقائدية الجامدة …
فهو عبر هذه الحالة البائسة ينصهر ضمن هذه الكيانات ويتحول إلى تابع لها وزيل يُجر لا حول له ولا قوة إلا قوة هذه الكيانات التي تعبر عن ذاته المفلسة… والقيادات الحزبية في غربي كردستان تستمد سطوتها وتفردها بالقرار السياسي من هذا الإفلاس الفكري أو لنقل من هذا اللاوعي في الموروث الثقافي للشعب لصالحها وتتسيّد على الشارع عبر هذا المورث  وعلى مبدأ / طاعة السلطان من طاعة الله /… فالفرد ضمن هذه الثقافة يظل خاضع للقرارات الفوقية التي تملي عليه الخضوع والخنوع والعبودية والإذعان والتعصب الأعمى … أي هناك فروق شاسعة وكبيرة بين أن تُجلّ القيادات الوطنية وتحترمها وتجعل منها مُثلاً للأجيال يحتذي بها لإنتاج المزيد من القادة والرموز الوطنية ليتمكن هذه الأجيال من  تطوير قيم هؤلاء القادة وتفكيرهم وأصالتهم لتتلاءم جملة هذه القيم للمراحل اللاحقة والمستقبلية وتنسجم مع الواقع الموضوعي في هذه المرحلة أو تلك وبين أن تجعل منهم آلهة وأصناماً يعبدون وتستغل احترام الناس لهم وبصيغة أوضح هناك فروقاً شاسعة من أن تعرض على الناس ما أخترعه المخترع وتدعي بأنه نهاية الاختراعات وبين أن تنتج اختراعا جديداً أو أن  تطور من مزايا تلك الاختراع وتضيف عليها أشياء مستحدثة لتكون أكثر متانة وفائدة وتصميم من سابقاتها … فالحقيقة هي نسبية دائماً ولا يوجد شيء أو فكرة تسمى بالحقيقة الكلية المطلقة فحتى النظريات العلمية التي أنتجت في المراحل السابقة بدأت تلغى وتنسف بنظريات علمية حديثة في هذا العصر أي من المستحيل على سبيل المثال أن يتمكن العرب في هذا العصر من غزو العالم وفرض الجزية على الشعوب بسلاح السيف أو عبر عقيدة مضت عليها ألف وأربعمائة سنة ومن خلال  قال هذا السلف أو ذاك أو عن / أبو هريرة أو الترمذي  / ومن المستحيل أن يتحرر الشعب الكردي عبر مراث الشقاق والتشرذم والتخلف الفكري والأنا والقيم والعادات التي جعلهم يعيشون تحت هيمنة واحتلال الآخرين آلاف السنين …
ما نحن بصدده هنا هو أن الذي يتخذ من الرموز الوطنية أقنعة ومتاريس لتحقيق مصالح أنانية وشخصية هي شخصيات انتهازية ومفلسة وغير مؤهلة سياسياً لقيادة المرحلة في غربي كردستان ومن اجل هذا الإفلاس يلجئون إلى هذه الرموز لتحقيق مصالح ذاتية أو حزبية بائسة … وينطبق هذا الأمر على الذين يتمترسون خلف فكر فلسفي شمولي ويجعلون منها عقيدة مذهبية أثبتت فشلها التاريخي لأن الفكر الفلسفي يختلف عن فكر ومعاير العلوم التجريبية وتطبيقاتها التي تتعرض للاختبار والتحليل للتأكد من صحة الفكرة أو خطئها  ..

فالفكر الفلسفي هو فكر نظري تأملي للفيلسوف يعتمد على العقل للوصول إلى الحقيقة ولا يخضع للتجريب العلمي للتأكد من صحة الفكر أو خطئه أي قد يخطأ الفيلسوف أو يصيب .


ومن سلبيات هذا التوجه وخاصة عندما يستغل سياسياً هو أحجام عقل الفرد عن التفكير واعتبار كل ما قاله المفكر أو القائد أو الفيلسوف بأنها الحقيقة الكلية المطلقة ويصبح الفرد تابعا عبر هذه القناعة  للاهوت ديني بغلاف فلسفي كالآية التي تقول /  الدين عند الله هو الإسلام ومن يرتضي غير ذلك لن يقبل منه / أي هو ملحد وكافر يجب محاربته والقضاء عليه فكذلك إن الفكر الفلسفي عندما يتحول إلى عقيدة سياسية يصبح كالفكر الديني تماما ويصبح التعامل مع الآخر هو أم أنت معي أو إنك خائن وعميل يستوجب استئصالك والقضاء عليك وهذه الأسلوب طبق في عهد / ستالين / أيام حكمه لاتحاد السوفيتي السابق …

 صفوة القول هنا هو إن المجتمع المتخلف كالأرض البور التي يُستغل من قبل المافيا المجرمة لزرع النباتات المخدرة لجني الأرباح الهائلة على حساب صحة البشر وكذلك فأن الانتهازي والسياسي يستغل تخلف الناس وفقرهم وحاجتهم للكرامة والحرية ولقمة العيش ليحقق ما يخدم مصالحه الأنانية الضارة والجشعة وحده دون غيره وهم في اغلب الأحيان يستغلون هذه الحالة من خلال ايدولوجيا دينية أو قومية أو طائفية أو عقائدية أو استغلال الرموز الوطنية وغيرها من الأمور في هذا المجال ففي المجتمع المتخلف تظهر النقائض الشاذة والغريبة البعيدة كل البعد عن المنطق والمعقول فعلى سبيل المثال فأن الذي يتلاعب بمصير الشعوب أو يخونها يعدم أو يحتقر لدى المجتمعات المتطورة أما داخل المجتمع المتخلف فمن المؤسف قوله بأن الذي يخون أو يتلاعب بمصير هذه الشعوب المسكينة تجد له المزيد من الأتباع والمصفقين والمطبلين والمزمرين نتيجة هذا الفقر الفكري والمعرفي  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…