لئلا يتحول 12 آذار إلى مجرد يوم عادي على الروزنامه

مصطفى إسماعيل

مرّة أخرى يطرقُ 12 آذار أبوابَ الكورد في غربي كوردستان, مرّة أخرى يستقبله الكورد بالشموع والاعتصامات, وكلُّ كوردي حر مدينٌ بالضرورة لـ 12 آذاره, الذي صنع للأحزاب الكوردية والشعب الكوردي موقعاً فاعلاً سياسياً في سوريا ( إلى حد ما)
منذ ذلك الربيع المبكر من عام2004 , والاحتفاء بهذا اليوم هو واجب, وهو فرضُ عينٍ على كل كوردي ( الجملة الأخيرة للمضاربة على أئمة المساجد ), وإن اختلفت بعض أحزابنا على توصيف ما حدث حينها, إلا أن الإقرار السوري الضبابي اللاحق, بوجود مكوّن اسمه الكورد, يسجل في ميزان تضحيات الشباب الكوردي, ولم يك مرجحاً الاعتراف بالوجود الكردي, سيما وأن هذا الشعب الحي القيوم لم يؤمن يوماً بالعنف الأعمى لتحقيق أهدافه( من غرائب السياسة اليوم أن العنفي وصاحب السيارات المفخخة يتم الاعتراف به والجلوس إليه ), بل على العكس تماماً كان مع أحزابه يندد بالعنف ويتجنبه وينبذه.

كانت الخلاصة الإيجابية للانتفاضة الكوردية أنها أخرجت الشعب الكوردي والأحزاب الكوردية من المنطقة الرمادية إلى المنطقة الخضراء ( إعلامياً ووعياً سياسياً وميكانيزماً داخلياً ), ووثقت العرى والروابط بين المعارضة العربية والكردية, وصولاً إلى لقاءات وتفاهمات وإعلانات ( وإن لم تستفد منها أحزابنا الكوردية بشكل ما مقبول ).
مع 12 آذار الكوردي في عيد ميلاده الثالث, لا تزال أحزابنا الكوردية تدور في حلقة مفرغة, وتدأب في البحث عن صيغ عمل مشتركة, ما يصيب الشعب الكوردي بتفاقم الإحباط, وشهداء وضحايا 12 آذار بالخذلان, وما يزال الشعب الكوردي يحنُّ إلى صيغة ( مجموع الأحزاب الكوردية ) التي لم تستمر سوى بيانات عدة, قفل بعدها كل حزب راجعاً إلى قواعده الأولى والأخيرة سالماً غانماً, وكأن لسان حال كل كوردي يقول هل نحتاج إلى 12 آذار كوردي آخر من أجل إعادة صنع تلك المعجزة المتمثلة في توحد الأحزاب حول البيان الواحد, بعد ثلاث سنوات عجاف من المشاريع الثكلى وتعليق الآمال إلى إشعار آخر, إلى درجة أنّ البعض يعتبر تلكم الصيغة محصلة لخوف الأحزاب من الهراوة الأمنية السورية, وأنها كذلك أتت كمحصلة لإجماعٍ حول إجهاض الحراك الكوردي, ونصب الشارات المرورية الحمراء أمام تطلعاته وقيامته حينها.

ولعل توحد الخطاب السياسي الكوردي وتوحد آلياته وتجلياته سيكون بمثابة قالب كاتو عليه شمعة واحدة مهداة إلى أرواح شهداء ذلكم اليوم الربيعي الدامي.
مع 12 آذار الكوردي في عيد ميلاده الثالث, لا تزال سوريا كخطاب سياسي لاءاتي من كل قضايا ومشاكل الداخل السوري هي نفسها, ولا تزال الممارسات القمعية الكبحية المصادرة لكل شكل من أشكال التعبير هي نفسها, ولا تزال مسألة الإصلاح السياسي المطروحة من قبل السلطة نفسها ضيفة سياسة التسويف السورية, فالأولوية لمعاداة الغرب وتأجيج المشاعر القومية, وبسبب اللعب على خطاب معاداة الغرب وضغوطه على دمشق, سيتم إلقاء كل ممكن انفتاحي على الداخل في سلة مهملات الأبد, والسوري ( هذا المخلوق الخرافي ) اعتاد وضع رأسه على وسادة الصورة القاتمة في الداخل, والركود السياسي الداخلي – الخارجي, والسياسة القائمة, وفقد كلية أمله في إدخال تحسينات على ملف حقوق الإنسان, واعتماد مبدأ سيادة القانون, والتنمية الاجتصادية, وملَّ السوري كذلكم الأمر من الربط بين النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي, والهرولة بين النموذج السوفياتي والنموذج الصيني ( الله يعين السوري الذي لا يملك ما يعينه على شراء حذاء رياضي ).
مع 12 آذار الكوردي في عيد ميلاده الثالث, لا تزال أيديولوجيا البعث السوري تشكل عبئاً على الدولة والداخل السوري مع انعدام فرصها في تجديد نفسها, كونها ثابتاً لا يتغير ولا يمكنها التحول, وهذا ما أسهم في جعل المجتمع السوري مسترخياً على الدوام, وبعيداً عن الاهتمام بأي شيء خارج الدائرة الشخصية والعائلية ( ربما بسبب هذه البرمجة البعثية للحياة السورية يستهجن كثيرون حين ينخرط شخص في مجال من مجالات الشأن العام ).
مع 12 آذار الكوردي في عيد ميلاده الثالث, مشكورة أحزابنا الكوردية وجماهيرها والمثقفون والمستقلون, إذ يقررون الاحتفاء بالشهداء والضحايا, متخلين عن الأنويات, وهذه ضرورة, فلا يمكن للطليعة السياسية والثقافية لأيما شعب أن تطأ أزاهير التضحية بأقدام مصالحها الحزبية والإبداعية, وتهشم ذلك الانتصار, ويظل الشعب بعد ذلك الربيع الدامي سابحاً في دوائر الخيبة, وأحزابنا الكوردية العزيزة مطالبة بترتيب البيت الداخلي الكوردي لئلا يتحول 12 آذار إلى مجرد حدث عاطفي عابر, وإلى مجرد يوم عادي على الروزنامه.


mbismail2@hotmail.com  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…