بين عائلة (حقي- علواني) وآل (حاجو)

إبراهيم محمود
 
خلال أقل من أسبوع، قرأت في موقع “ولاتي مه” تنوياً حول موقفين “عائليين: آليين: من الآل” مما يجري في الساحة السورية، ولكل موقف مرجعيته الاعتبارية اجتماعياً وسياسياً، سوى أنهما ينطلقان من الراهن المعاش، مع اختلاف التوجه، ولأن ثمة خروجاً ما على وحدة الصف العائلي” الآلي”، من قبل أحد الأفراد، كلٌّ نقيض الآخر، شكَّلا لدي تصورين: الأول اعتيادي حول تاريخهما، والثاني لافت بصدد المقدَّر والمترتب عليهما عملياً.
الأول جاء بصيغة (بيان من عائلة” آل حقي-علواني” في الجزيرة السورية)، وهو مكتوب بتاريخ 8 آب، ومنشور في الموقع سالف الذكر بتاريخ 9 آب 2013، وهو يتلخص في أن العائلة تقف على الحياد مما يجري في” الجزيرة السورية” بعيداً عن المصالح الفئوية والحزبية والشخصية، والأحداث الخطيرة تهدد الجميع وتدعوا الجميع إلى “الحكمة وضبط النفس”،

وما يهم العائلة هو وحدة النسيج الاجتماعي ووحدة سورية، وما كان في وسع هذا البيان أن يبصر النور إلا لأن أحد أفراد العائلة” دون تسميته” يرى الجاري من زاوية اعتبارية مختلفة تعنيه كفرد وليس كمنتم إلى عائلة لها حضورها الديني إذ تُعرَف بكونها سعت عموماً إلى أن تكون أقرب إلى المهادنة والابتعاد عن التبني المباشر لقوة محددة في البلاد، أي كان هناك خروج عن الصف العائلي وانخراط ظاهر في لعبة القوى القائمة على الساحة السياسية السورية.

أما الثاني، فكان بمثابة تصريح، أي التحديد المباشر للمسوّغ الداعي إلى ذلك، وهو موقَّع عليه من قبل ” آل حاجو”( تصريح من آل حاجو) ومنشور في الموقع ذاته بتاريخ 13 آب 2013، ولا يخفي موقفه المباشر مما يجري في سوريا، إنما في المسمى كوردياً” غرب كوردستان” وإدانة صريحة لـ” تلك المجموعات الإرهابية” ومرجعيتها، وهي تمارس قتلاً وترويعاً ونهباً في السكان الكورد ومناطق تواجدهم، وما في ذلك من ” وحشية” في السلوك، وهذا التصريح كسابقه، كما هو مقدَّر، ما كان له أن يبصر النور، لولا أن أحد أفراد” آل حاجو” قد انطلق من زاوية مغايرة تماماً وتفنيد ما يجري في هذه المناطق الكوردية، وهو يخدم بذلك تلك المجموعات المسلحة ومن يكون وراءها، لتأتي النتيجة بمثابة تشديد على أن شخصاً كهذا يمثّل نفسه فقط من جهة، وأن على من يحاول استهداف” سمعة” آله أو عائلته، انطلاقاً منه، الكف عن ذلك من جهة ثانية، بما أن العائلة، كل عائلة، معروفة بتاريخها، ولن تعتبر السلوك ” العاق” لفردها محسوباً عليها.

الأرضية الدينية تسمّي البيان الأول، والسياسية تسمي التصريح الآخر، ولكل منهما التاريخ الذي تلجأ إليه، وأن ما انطلقتا منه كان نتيجة طبيعية تماماً في سياق مجريات الأحداث وتداخل وقائعها وفي الوضع الراهن والمعقد خصوصاً، ليكون مفهوم” العائلة: الآل” مغذّياً لتكوينهما معاً، رغم التغير اللافت والبليغ على هذا المفهوم بمعناه الواسع.

بعيداً عن لغة الإنشائية، فإنني لا أخفي صداقتي مع أفراد مع كلتا العائلتين وهي لما تزل قائمة، سوى أن الممكن قوله هو التالي: ماذا يعني خروج فرد ما من العائلة والتصريح بقول ومن ثم تنسيبه إلى عائلته؟ أعتقد أن الباحث عن الحجج والذرائع هو الذي يحاول” الصيد في المكان العكر”، وأن عالم اليوم قد فتّت كثيراً في البنيان العائلي، وهذا ما يجب التنبه إليه، حتى بالنسبة لشخص ما يحاول” المتاجرة” العاطفية أو الفئوية باسم عائلته، سوف يفتضح أمره، أما أن يعبّر عن رؤية فكرية أو سياسية ثقافية خاصة به، دون التباهي بعلامة فارقة عائلياً، فإن الوضع مختلف تماماً، ولا يمكن التصدي له، بدعوى أن نشر بيان أو تصريح يكون بمثابة توضيح، ولكنه في بنيته يعبّر عن جانب مزعمي، وهو أن العائلة هذه أو تلك مرصوصة البيان، ولا يوجد فيها سوى وحدة الرأي، بما لذلك من مردود سلبي في عالم ما بعد العولمة.

الأمر الأهم هنا، هو أن بيان” عائلة: آل حقي – علواني، يشير إلى ما يجب الاقتداء به، وهو لزوم ضبط النفس، والابتعاد عن الصراعات ولعبة المصالح، كما لو أن ثمة إشارة واضحة، وهي أن الدين هكذا، وليته كان هكذا، ولكنه خلاف ذلك، إذ بغضّ النظر عن طبيعة الصراعات الجارية في سوريا وفي الجزيرة” المسماة” تحديداً، وهي تسمية تخدم لغة البيان، فإن الدين لم يكن له يوماً أن ينفصل عما هو يومي متحول وسياسي متنوع.

ألم يقل الشهرستاني قبل أكثر من ألف عام، في مقدمة” الملَل والنحل”: ما سُل سيف في الإسلام كما سُل على الإمامة في كل زمان ومكان؟ والإمامة: السياسة، وأن ما يجري في البلاد العربية، وفي عمق الجزيرة السورية المسماة هنا، يؤكّد هذا المنزع: التوجه، أي في انخراط الدين اللافت في الدين، والحياد كلام لا يصرَّف هنا!

وفي الطرف الآخر، أي تصريح : آل حاجو، وهو مكشوف بغايته وفحواه، فأظن أن فيه محاولة للفت الأنظار إلى أن ثمة مساراً واحداً تاريخيَّ العلامة لهذه العائلة، وهذا المسلك إذا كان يعزّز” وحدة الصف العائلي نظرياً” إلا أن الواقع أوسع من ذلك تماماً، ليس بمعنى الذم طبعاً، وإنما بمعنى توقع اختلاف أو خلافات داخل البيت الواحد، فما بالك بالعائلة ذاتها، والسير بهذا التوجه دون مراعاة التحولات المفصلية في العالم وفي منطقتنا، يخرجنا من التاريخ ويعذّبنا به كذلك.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…