الإلهاءُ عن النظام السوري بِـغــيرِه (قراءة في آليات الانشغال بما هو ثانويٌّ عمّا هو رئيسٌ)

  خالد جميل محمد  
أدرَكَ النظامُ السوريُّ حتميّةَ سقوطِه ودُنُــوِّ أجَلِه، فأعلنَ النفيرَ مُـسْـتـدعِـياً عصاباتِه الإرهابيةَ المواليةَ له من مُرتزِقة لـبَّـوْا دعوة (الجهاد) في سبيله وهو يَدرُّ عليها العطايا والنَّوال والخيرات من مال وسلاح وغنائم، وهي تَــدرّ عليه مزيداً من خدمات الوفاء والطاعة في قَــمْــعِ الشعبِ وثورتِه بأسماء وأشكال وتنظيمات متنوعة وعديدة لتحقيق هدفها في تشويه صورة الثورة في أنظار بعض السُّذّج ممن يجهلون أو يتجاهلون الطبيعة الإرهابية لنظامٍ ظلّ يُصَدّر الجريمة والإرهاب إلى خارج البلاد حتى آنَ الأوان ليستنجد بها وهو مُـشْـرِفٌ على حشرجةٍ لا يُـنـقِـذُه منها ادّعاؤُهُ القوّةَ ولا يُــفــيدُه تَـظاهرُه بالبقاء صامداً أبداً، لكنْ قد يُــطــيـلُ عُــمْــرَه انشغالُ الناسِ عنه بما سِـــــواه ونِـســيــانُهم ماضيهِ بما تصنع الآنَ عصاباتُــه ويــداه.
النظامُ السوريُّ في سَــكـــرات موتِه الراهنِ والمُؤَكَّــدِ يَــستـمدُّ أنفاسَه من انشغالِ الشعبِ والثورةِ والمُحــلِّـــلــينَ والإعلامِ بجبهاتٍ ثانويةٍ شــيَّـــدَها لتكون دروعاً يحتمي بها ويحميها وتحميه، فانصرف الاهتمام بجبهة محاربته إلى سِـجالات كلامية أو عسكرية عبثية غالباً، حيث أرادها النظام أن تكون كذلك حتى يكون الصراع بين المعارضة الحقيقية وأطرافٍ من المعارضة الزائفة التي أوجدها النظام بهدف تحريف الثورة وتصريف وجهتها نحو تلك الجبهات، وإلهائِها بما يُــبــعِدُ نار الثورة عنه، وهو ما يجبُ التــنـبــيهُ إليه لإعادة رصف لَـــبِــنات الثورة بجعلِ النظامِ هدفاً أساسياً، وفَـضْحِ عصاباته التي تخلط الأوراقَ بعضَها ببعض.

أمّا آليات الإلهاء عن النظام السوري بما سِواه فإنها آليات أعدّتها الاستخبارات السورية مدعومة باستخبارات دولٍ داعمةٍ له، وتُـنَــفّذها ميدانياً جماعات/ مرتزِقة جاء بها النظام لتمارس بحق الشعب السوري أفظع الجرائم باسم الثورة والثوار, وبات الناس يعانون من ويلاتها بدءاً من حالات سرقة الخبز والطحين وحليب الأطفال ومواد المعيشة اليومية من أدوية ووقود وكهرباء، إلى حالات ابتزاز الناس واحتكار الموادّ والاستلاء على الممتلكات العامة والخاصة بقوة مدعومة من النظام سراً أو علناً، وانتهاءً بتهديد النشطاء وخطفهم والاعتداء عليهم واعتقالهم واغتيالهم، مروراً بمنع المظاهرات وقمعها وممارسة العنف بحق المتظاهرين والمثقفين المناضلين والإعلاميين الثوريين وإكراههم جميعاً على الفرار أو الانضمام إلى صفوف القَــتَـلة والخاطفين والناهبين واللصوص والمتاجرين بشعاراتٍ تنخدع بها الفئات البسيطة من الجماهير وتدفع ضريبة مناهصتها الفئات المخلصةُ لشعبها ومجتمعها ووطنها.

إزاء تلك الممارسات انخرط القسم الأعظم من المحللين والثوار والناس في جَــدَلٍ عَـبَـثـيّ واختلافات وخلافات لا تستدعي انشغالاً شديداً بها إلا في إطار ربطها بالنظام، لحسم الموضع، لأن ذلك الانخراط يعني الخروج عن الطريق الواضحة للثورة السورية إلى طُرُقٍ فرعية تؤخّر بلوغ النهاية المأمولة من وراء هذه التضحيات كلِّها، حيث لا تحتاج إدانةُ عصابات النظام إلى أدلة أكثرَ ممّا تمارسه على أرض الواقع من نهبٍ وسِطْوٍ وعنفٍ وتسلّط واعتداء لا يـتـنـكّر له ولا يدافع عنه إلا المستفيدون منه ممن اشتراهم النظام مقابلَ مِــنَحٍ من المال والسلطة وغسل عار الماضي الإجرامي تحت اسم الثورة لتشويه هذا الاسم أيضاً، والثورة منهم بريئة.

لا يزال الناس يتجادلون في أن ثمة جهات تخطف الناس وتعتدي عليهم وتمارس العنف بحقهم وتنهب أقواتهم وأموالهم وتفرض عليهم الضرائب وتمنعهم من التظاهر وتنشر المسعورين من زعرانها المدجَّجين بسلاح ولباس ولِــحى وسيارات النظام السوري في مختلف الأمكنة بحماية أمنية ورعاية استخباراتية ودعمٍ عسكري يضمن لها قوة سلطوية نافذةً، حيث تكفي هذه الممارسات لأن تكون أدلة دامغة على أن تلك الجهات هي من صنع النظام وأن الحكم عليها يجب أن يكون من خلال الحكم على النظام بوصفه بُــنْـــيَــةً متكاملة وكُــلّاً مترابِـطاً منسجماً مع مكوناته في إطار القمع والجريمة، وليست هذه الجماعات / العصابات سوى وحدات تـنـتـمي إلى تلك الـبـنـية وتدخل في تركيبها وتَــكَــوُّنِها وتطيل من عمرها وتُلحِق بالثورة أكبر الأضرار.

إسقاط النظام يعني لَــجْمَ جميع تلك الحالات التي تقف وراءَها العصابة الحاكمة في سوريا مستقويةً بجماعات وتنظيمات تعمل على إشغال الناس بأعمالها التمثيلية الزائفة! أو الإرهابية الحقيقية المتمثلة في صور عديدة لا تحتاج إلى شرحٍ لمن لا يخدع نفسَه ويعترف بأن كل الجهات التي تنهب الناسَ وتعتدي عليهم وتسرق أموالهم وطعامهم وابتساماتهم وتمارس سلطةً منبوذة وتحتكر السوق وتتحكم في شؤون الأرض والسماء والماء والهواء والنار والتراب لتجعل كل عناصر الكون تحت إمرتها، وتطرق أبواب الناس دون استئذان ودون مراعاة لحرمات بيوتهم ودون احترام لكرامتهم، هي ليست جهاتٍ وليست عصاباتٍ بل إنها عصابةٌ / جهةٌ واحدةٌ هي جهة النظام فحسبُ، فلا فرق بين أن يُقــتــل المرءُ بطلقة أو قذيفة أو صاروخ أو سلاحٍ كيميائي من النظام أو طلقة من أحد زعرانه! ولا فرق بين أي جهة تمارس العنف والقهر والتسلط وبين النظام الذي أطلق يد المجرمين لخنق أنفاس الناس ومنعهم من الحرية ومنع الحرية عنهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…