عقلية الاستبداد (قراءة في عقلية قيادة الحركة السياسية الكردية في سوريا)

خالد جميل محمد
اسـتـمـدتْ عقليةُ قيادةِ الحركة السياسية الكردية في سوريا، بصورة عامة، آلياتِ تفكيرِها من البيئة السياسية, الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية المحيطة بها، البيئةِ التي أنتجتْ فكراً إقصائياً مُسـتـبِــدّاً مُــتَــنَــكِّـراً للحقوق والحقائق ومحوّراً إيّاها وفق رؤى تكون في أغلب الأحيان خاطئةً، مُدَمّرةً وضارّة بالآخرين.

وهي بيئة الاستبداد البعثي الذي كَــرّسَ مفاهيمَ الأنانيةِ، الضغينةِ، الانتقامِ، الفسادِ، الرشوةِ، الاحتيالِ، الكذبِ، المراوغةِ, الإرهابِ, العنفِ, التجهيلِ، التخوينِ، الابتزازِ، الاستغلالِ، التهديدِ، ارتكابِ الجرائم وغيرِها.
وأَوْجَـدَ لها نظامُ الاستبدادِ المبرّراتِ التي صارت ثقافةً سائدةً اُضْطُرَّ إلى تداولها والعمل بها القسمُ الأعظمُ من الناسِ، مُكرَهينَ، طلباً لتسيير أمور معيشتهم وحياتهم التي كان سـيُــثــبّطها عَــدَمُ الأخذِ بتلك المفاهيم كلِّها أو بعضِها، حتى غدت عُرفاً وجبَ السير عليه، وقانوناً أنتجته تلك البيئة الفاسدة بفساد السلطة الحاكمة المتحكِّمة في كلِّ شيء، وتربيةً كان لقيادة الحركة السياسية الكردية السورية الحصةُ الكُبرى منها، حيث انتقل هذا العُرفُ/ القانون/ التربية إلى ساحة هذه القيادة ليظهر في أوضح أشكاله في عدم اعترافها بحقيقة استبداد عقليتها وتنصّلها من الواجبات المترتّبةِ عليها إزاءَ مختلفِ القضايا، وعدمِ اعترافِها بنقصها وتقصيرها وأخطائها وعَجْزها المزمِن وعُـقم بياناتها وخطاباتها المتسمة بالهُزال والركاكة.

يتركز عملُ آلياتِ عقلية الاستبداد لدى هذه القيادة في إطار الحفاظ على المصالح الشخصية الأنانية لصاحبها، وإن كان ذلك على حساب الآخرين مهما كانت صلةُ قُـربِـهم منه، أو قيمتهم لديه.

فالعقلية التي تَـتَـوسَّلُ تلك الآلياتِ هي عقلية إقصائية ٌ انتقامِـيَّـةٌ تَـعْـجِـزُ عن إنتاجِ أفكارٍ موضوعيةٍ متَّزِنـةٍ سليمةٍ في خدمة الإنسان والأوطان والمبادئ النبـيلة، بل إن دَيْـمـومةَ تلك الآلياتِ وهيمنـتَها مُـستَــمَــدَّةٌ من الواقع الموضوعي بوجود نظامٍ جائرٍ ساندٍ لهذه العقلية وداعمٍ لها بمجردِ خَـلْـقِـه البيئةَ الصالحةَ لاستمرارها وتناميها وتضخّمها، حيث أثـبـتـتْ عقليةُ الاستبدادِ نجاحَـها في إبداع الخُطَطِ التي تَــهْـدِمُ آمالَ الناس وثِـقَــتَـها أو قد تبلغ مستوياتٍ تُــهْــدِرُ فيها دماءَ الآخرين وكرامتهم بالمفهومين الإنساني والاجتماعي والأخلاقي، على النحو الذي يتجسّد اليوم في ممارساتِ مُرتَزِقةٍ استفادوا من تلك العقلية واستفادت منها تلك العقليةُ لتستمرّ وتَـفرِضَ ضروباً من السُّــلْطَة دون أي رادع أخلاقي أو قانوني يحمي الناسَ من عَسْفِها وعنفها الذي أنتجته هذه العقلية العاجزة عن تجاوزِ متانَتها وعنادِها في عدم القبول بالتغيير نحو الإصلاح المطلوب.

أمّا صُوَرُ استبدادِ هذه العقلية فإنها كثيرةٌ كَـثْـرةً يصعُبُ إحصاؤها، حَـصْرُها أو تَـتَـبُّعُها في مختلف مجالاتِ تَـشَــكُّلِها، تفاعُلِها، تأثيرها وانتقالها، لأنها انتشرت وسادتْ بطريقة ما عاد من الممكن التنويه بها جميعاً إلا على سبيل الأمثلة هنا أو هناك.

ومنها أن عقلية القيادة السياسية الكردية لم يُـنْـتجْها فِـكْـرٌ علميٌّ أكاديميٌّ اختصاصيُّ منهجي متماسكٌ يؤهّلها لعمليات التفكُّر الموضوعيّ السليمُ والدقيق، ولم تُـنْتِجْ فِكراً رصيناً من النواحي العِـلـمِـيَّةِ والعَـمَـلِـيَّةِ، سِـوى أنه كرّرَ توظيفَ مفاهيم الاستبداد لإنتاج خطابٍ يُخوّن المختلفين معه ويعمل على محاسبتِهم، الانتقامِ منهم، إقصائِهم أو تدبيرِ المكائدِ لهم لتأديبهم وتأديب الآخرين بهم من خلال إزاحتهم أو مَـحْـقِـهِم إنْ أمْكنَ الـمَـحْـقُ وإزهاق أرواحِهم إنْ أمكن الإزهاق!.

يضاف إلى تلك الصور خَـشــيَــةُ تلك العقليةِ من قَـبولِ التغيير نحو الأفضل، والخروج من حالة الثّباتِ إلى حالة التحوُّلِ، ومن الجمود إلى الحركة ومن الموت إلى الحيوية والانتعاش،  من خلال إفساح المجال لذوي الكفاءات من النخبة والتكنوقراط والمخلصين والشرفاء ممن أرهبتهم عقليةُ الاستبداد بممارساتها وإبداعاتها التخريبية في مجال الإساءة إلى قيم الحق، الحرية، الديموقراطية والكرامة الإنسانية، اعتماداً على فئاتٍ ارتضت لنفسها أن تكون أبواقاً تنافح بشدة عن تلك العقلية التي ليس لها أن تستمرّ إلا بوجود مرتزقة يدافعون عنها، ويُـنَـكّلون بمن يَـقِـفُ عثرةً في طريق تلك العقلية ومفاهيمها وممارسات أسيادٍ/ زعاماتٍ يحملون في دواخلهم نماذجَ من أنظمة استبدادية كامنة حيناً ومنطلقةٍ أحياناً ويحلمون بما تحقق لتلك الأنظمة من عزٍّ يجهلون عاقبته!.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…