الامتحان الثالث للمعارضة السورية.

  جوان يوسف
 
ليس خافيا على أحد الاضطراب السياسي الذي تعيشه المعارضة السورية الخارجية منذ تشكل تعبيرها السياسي ممثلا بالمجلس الوطني السوري، وانتهاء بانتخاب غسان هيتو رئيسا للحكومة المؤقتة.

إذ تشكل المجلس الوطني بعيدا عن قوى الداخل، معتمدا بشكل أساسي على قوى سياسية تقليدية، وشخصيات سورية نهضت من بين أنقاض الغربة.وأخفق المجلس منذ البداية في أن يكون تعبيرا وطنيا وسياسيا للثورة، بينما كانت التشكيلات المدنية تتقدم في الداخل وتحرز انتصارات مدنية وسياسية أحرجت النظام وأفقدته مصداقيته أمام الرأي العام المحلي والدولي.هكذا كان المجلس الوطني يعيش حالة تشرذم داخلي لاهثا وراء تعبئة الغرب من أجل تدخل عسكري مباشر في سوريا،
وهو ما لم ترغب فيه أو تعلنه أي دولة، باستثناء تركيا التي دفعت الأمور بقوة نحو تعميق أزمة النظام، عبر الترويج بأنها لن تسكت عن تكرار مأساة حماه أو رفضها لتجاوز المهجرين أرقاما محددة، ما دفع ببعض القوى للاعتقاد أن تركيا ستكون حليفة إلى النهاية ليتضح بعد ذلك أنها لم تكن كذلك، وأن جل اهتمامها وتصريحاتها كانت من أجل فرض تسوية على النظام.فشل المجلس الوطني أولا في توحيد الجهد السياسي، وفي تبني خطاب وطني يجمع كل أطياف المجتمع، ثم في مرحلة لاحقة فشل في توحيد الجهد العسكري والإغاثي عندما تطور الأمر إلى العمل المسلح، وهكذا ادعى أنه مظلة سياسية للثورة وتعبير عن إرادة الثوار، إلا أنه سرعان ما تحول إلى مظلة ابتلعت الثوار وعززت مواقع القوى والشخصيات الدخيلة على الثورة، وبقي يدور حول نفسه، وأكلته الخلافات الداخلية، فأخفق في إنجاز مؤسسة وطنية تعبر عن إرادة الشعب السوري.الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة كان امتحانا ثانيا ولد من رحم المجلس الوطني السوري حاملا كل أخطائه وعثراته، فلم يتمكن من أن يكون مظلة وطنية وديمقراطية، ثم عين ممثلو المجالس المحلية تعيينا طغت عليه المحاصصة، ولم يستطع إقناع المكونات السياسية الأخرى بمشاركته، وأخفق في إقناع الكرد بالانضمام إليه، كما أخفق حتى الآن في المهمة الرئيسية وهي توحيد الجهد العسكري، بحسب ما صرح به رئيسه معاذ الخطيب، وبقيت عمليات الإغاثة مرهونة بأشخاص وقوى محددة.وبناء عليه يطالعنا اليوم طرح جديد أو وصفة قديمة سبق أن جربها المجلس الوطني مفادها إعادة توسيع الائتلاف عن طريق زيادة نسب التمثيل فيه.على أي حال، إن كان ثمة جدية في تفعيل الائتلاف فهي مرهونة بتوفر الإرادة السياسية لديه، وقدرته على إقناع جميع القوى خارج الائتلاف بالمشاركة الديمقراطية منها، كالمنبر وتيار التغيير والتحالف الديمقراطي، أو القومية والإثنية، وبشكل رئيسي القوى الكردية التي ما تزال حتى الآن تقف في منتصف الطريق مبدية مخاوفها التي ربما تكون محقة في بعض منها إزاء خطاب المعارضة الذي لم يخرج حتى الآن من النسق الثقافي والسياسي للنظام.يبقى غسان هيتو هو صاحب المهمة الأصعب، ورغم أن الحكومة المؤقتة لم تحز إجماعا سياسيا من قبل أطياف المعارضة السياسية التي وجد بعضهم فيها أنها خطوة متسرعة وفي غير أوانها، وبعضهم الآخر أنها محاولة لإفشال الائتلاف ورئيسه معاذ الخطيب، فيما ارتأى قسم ثالث أنها تكريس للتقسيم، فإنني أعتقد بضرورة دعم هذه الحكومة؛ لأنها تشكل الحلقة الأخيرة للمعارضة للخروج من عنق الزجاجة.

الحلقة والأمل الأخير للمواطن السوري الذي بات يعيش حالة يرثى لها نتيجة التدهور الأمني والاقتصادي.يبقى نجاح هذه الحكومة مرهونا بجملة من القضايا، أولها أن تصبح فعلا حكومة وطنية مهنية بعيدة عن التجاذبات والمحاصصات السياسية، وتعمل بجدية في التنسيق بين فعاليات الثورة في الداخل بشكل أساسي، وعلى الأخص توحيد وتنسيق الجهد العسكري ورهنه بيد القادة العسكريين المحترفين، وربط كافة العمليات العسكرية ضد النظام بهم، وثانيهما ربط كافة عمليات الإغاثة بهيئة أو وزارة تشرف عليها مباشرة، وتنظم أعمالها وفق آليات وطنية بعيدة عن تدخل وتجاذب القوى السياسية، وثالثها إعطاء الفرصة الكاملة لهيتو ليقوم بمشاوراته وتشكيل فريق عمله من قوى الداخل، وخاصة فيما يتعلق بالوزارات الأساسية، بعيدا عن التجاذبات السياسية؛ لأنها حكومة طوارئ، وتحتاج إلى المرونة وسرعة الحركة واتخاذ قرارات ميدانية تخدم المواطن السوري.لكن بكل أسف، بيان الائتلاف حول عدد الوزارات وعدم تضمنه الغشارة إلى وزارة المالية يشي بالإفلاس، ويهدد بتشكيل حكومة تشريفات ومراسم، وبذلك نكون حصدنا خيبة أمل ثالثة.* كاتب وإعلامي سوري
الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…