رجل الإعلام الأول خلف قضبان السجن بتهمة الإرهاب؟!

محي الدين عيسو

“صباح الخير..

بتشرب قهوة..

كاسة كبيرة لو سمحت”
على مدى عامٍ كامل كانت هذه هي العبارة الصباحيَّة الأولى قبيل بدء العمل بين مازن درويش وكاتب هذه الكلمات في مكتب المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، قبل أن تقوم الجهات الأمنية بإغلاقه بقرار من فرع المخابرات الجوية.


تفاصيل كثيرة أتذكَّرها من صفات هذا الرجل الذي أعطى جلَّ وقته من أجل الإعلام، وكرَّس حياته لتكون كلمة الحق هي العليا، ودافع عن كلِّ صحفي وعامل في مجال الإعلام إذا ما تعرضوا للظلم والغبن من قبل مؤسساتهم أو ما تسمَّى بوزارة الإعلام، ربما هي تفاصيل بسيطة لكنها مهمة تبيَّن مدى قدرة مازن درويش الصحفي والإنسان على التواصل مع الوسط الإعلامي وعامة الناس ليدخل في قلوب الجميع دون جواز سفر.

على مدى عام كامل كان مازن درويش ينام في مكتبه الكائن في شارع 29 آيار وسط العاصمة دمشق، ليوفر على نفسه الوقت، يسهر حتى الصباح في كتابة التقارير الإعلامية والتواصل مع المنظَّمات الدوليَّة، يتابع كلَّ شاردة وواردة فيما يتعلَّق بعمل زملاء المهنة، يعمل بصمت دون شوشرةٍ إعلاميَّة، همُّه الوحيد تكريس مفهوم الصحافة الحرة رغم علمه ويقينه إن الاستبداد والديكتاتورية والأجهزة الأمنيَّة لن تسمح لرجل مثله بالعمل بحرية، لكنه كان مستعدا في كل لحظة لدخول الأشباح الأمنية إلى مكتبه واعتقاله.


عند دخولي إلى المركز في الدوام الصباحي أجده إما نائماً في مكتبه، على طاولته عُلب الدخان الفارغة وفناجين القهوة، أو مستيقظاً للتو محمر العينين مرهق الجسد يحضِّر القهوة الصباحية، لم تكن لديه مشكلة رغم أنه رئيس المركز ان يقوم بتحضير القهوة لكل الموظفين ومن ثم الاجتماع الصباحي مع الجميع (يارا بدر – دلشاد عثمان – مها السبلاتي – أنور بدر – أنا ) أو بشكل منفرد مع البعض لبدء العمل اليومي، يستقبل بوجه بشوش كل الضيوف سواء كانوا من الوفود الرسمية، أو من العاملين في الوسط الإعلامي، أو من المواطنين الضيوف، يستمع إليهم ويدون ملاحظاتهم على ورقة بخط يده الذي يشبه خط الأطباء في الفوضى، وقبيل الظهيرة كانت وجبة الفطور بإلحاحي عبارة عن الفطاير لكل أعضاء المركز رغم رفض ” يارا “خوفا على “كرش” شريكها الذي بدأ يكبر بالحجم، ومن ثم استراحة الجلوس على الأرض لنعود من جديد إلى العمل.


كل موظفي المركز السوري للإعلام وحرية التعبير كانوا سواسية بالنسبة لمازن درويش يتعامل معهم كأخ وصديق يعطيهم الملاحظات ويستمع لأرائهم ويساعدهم إذا ما تعرضوا لأي مشكلة سواء تتعلَّق بالعمل أو بالحياة اليومية، أماكنه المفضلة المكتب ومقهى الروضة والكمال يستمتع بأحاديث الناس البسيطة ويتفاعل مع همومهم ومشاكلهم ولا يتوانى عن تقديم المساعدة حتى لو كان على حساب وقته وسعادته.


رغم كل العروض التي جاءت لمازن درويش على أن يعيش في الدول الأوربية ويؤسس من هناك مركزه الإعلامي، إلا أنه رفض ذلك وأصر أن تكون دمشق المكان الوحيد لنشاطه على الرغم من إغلاق المركز لثلاث مرات متتالية من قبل أجهزة أمن النظام، لتكون المرة الأخيرة بتاريخ 1622012 عندما داهمت المخابرات الجوية مقر المركز واعتقلت 16 ناشطا فيه، مازال البعض منهم في أقبية النظام، ليتم تحويلهم في الآونة الأخيرة إلى محكمة الإرهاب؟! فقط لأن المركز أصبح المدافع عن حرية الإعلام وحرية الصحافة وفضح الانتهاكات المرتكبة بحق الإعلاميين في كل بقعة جغرافية من المدن السورية، وإصرار درويش أن تكون دمشق العاصمة واجهة العالم في عالم الصحافة.

سنعود معاً يا صديقي لنشرب قهوة الصباح في دمشق الحرة، أنا من منفايا الإختياري وانت من سجنك الإجباري لندافع عن الإعلام الحر والحقيقي الذي ضحيت من أجله بأغلى ما تملك.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…