درويش محمااما السياق التاريخي بجانبه التركي, يبدأ من لحظة القاء القبض على اوجلان عام 1999, فقد ايقن الاتراك, مباشرة, وفور القاء القبض على غريمهم المعلن, ان الرجل الذي في قبضتهم لايشبه ذاك الرجل الحر خلف الحدود, على شاشات التلفاز, ايام البقاع اللبناني, الذي كان يخشاه الصديق قبل العدو, هاهو يعلنها على الملأ في اول اختبار, و”بالفم المليان” انه “مستعد للتعاون”, لكن في الوقت نفسه, لا يمكن اعتبار اوجلان رجلاً عادياً, فالكل يستمع اليه ويطيع اوامره, “السيد اوجلان يعرض خدماته, والناس تحرق نفسها في سبيل اخلاء سبيله, واذا كان اوجلان في قبضتنا, فجموع اتباعه كذلك في قبضتنا”, هذه المعادلة الغريبة الشاذة, أدركها السيد اردوغان وعمل عليها بصبر وعلى نار هادئة, ومن غير المستغرب أن يكون هو نفسه وراء السر العظيم في استمرار شعبية أوجلان, رغم تغير مواقف هذا الاخير 180 درجة, وتنازله عن كل شعاراته السابقة التي سيق على اساسها, عشرات الالاف من الشباب الكرد, نحو جحيم حرب طويلة مكلفة وقاتلة.
ما يجري اليوم بين اوجلان والاتراك, لا شك انه يدخل ضمن اطار صفقة كبيرة شاملة معروفة النتائج, صفقة مدبرة ومرسوم لها بعناية, والسيد اردوغان هو المهندس الحقيقي لهذه الصفقة, المريحة والمربحة للطرف التركي, اكثر منه للطرف الكردي, لان الطرف الكردي والمتمثل بشخص اوجلان, لا شروط لديه, الرجل يسعى إلى انقاذ جلده, بعد ان حول نفسه من شخص الى قضية, واذا وجدت شروط ثانوية لعبد الله اوجلان, عدا شرطه الاساسي باطلاق سراحه او تحسين ظروف سجنه, فلن تكون شروطاً تعجيزية خارجة عن المألوف, ولن تكون الا مجرد رتوش مكملة, تضاف الى ما انجزه خصمه المعلن السيد اردوغان في الاعوام القليلة الماضية من فترة حكمه, كالاعتراف باللغة الكردية وفتح المزيد من القنوات التلفزيونية الكردية, واعطاء المزيد من الحريات.
الصفقة بين تركيا واوجلان, هي صفقة مباركة من دون ادنى شك, صفقة ستجعل من تركيا في اوج قوتها وازدهارها, وستضمن لكردها العيش بسلام ورفاهية على النكهة التركية, والسيد رجب طيب اردوغان وفريقه ومستشاريه, يشكرون في الحقيقة على جهودهم, واردوغان بالتحديد, سيذكره التاريخ كصانع للسلام بالاضافة الى كونه باني تركيا الحديثة, اما السيد عبد الله اوجلان كشريك له في الصفقة, فلن يحظى بالقدر نفسه من الذكرى الطيبة, حتى لو منح جائزة نوبل للسلام.
كاتب كردي سوري






