المجلس الوطني الكوردي بين الواقع والمطلوب

  محسن طاهر*

بعد طول انتظار امتد لأكثر من ثلاثين يوماً, انعقد الجلسة الأولى للمجلس الوطني الكوردي, وعلى مدار يومين متتاليين, بدأ الجلسة الأولى مصحوباً بالقلق والرتابة والتكرار للذات الحزبي, لم يتعدى الخطاب السياسي, حاجز الاجترار الشعبوي للحالة القائمة, حيث جاءت معظم المداخلات توصيفاً للراهن السياسي الكوردي المذري, الذي ملّ من سماعه حتى عامة الناس, بعيداً وضع الحلول والآليات لتجاوز الأخطاء والمشاكل والممارسات التي لا تخدم وحدة الشعب الكوردي, وفي نهاية المطاف, تم صياغة بعض القرارات التي لم ترتق إلى طموح الشارع, وملامسة رغبات الجماهير, وأقل ما توصف عنها بأنها (الهروب إلى الأمام ),
 أما اليوم الثاني, فغلب عليه جو من المعاكسات والمشاحنات والملاسنات والعنتريات والتعصب الحزبوي والجهوي الواضح, بين فريقين مختلفين تماماً في الرؤى والتوجهات السياسية والعملية, استغرق الفريق الأول في جلد الذات, وعاتب من تخلف عن ركوب قطار مجلس الشعب لغرب كردستان, تحقيقاً لمبدأ وحدة الحركة السياسية الكوردية, بينما طالب الفريق الآخر, ربان القطار المذكور, بالتوقف في أقرب محطة, وتخصيص نصف عرباته لركاب مجلسنا الموقر, وفق نصوص اتفاقية هولير, والالتزام بمبدأ الشراكة الحقيقية في القرار الوطني والسياسي والعسكري والمالي, ناسياً أو متناسياً, بان القطار قد انطلق, ولا ينتظر من يعاني الوهن والضعف والمرض (المجلس الوطني الكوردي), بين زحمة المناوشات والمزايدات ومديح الذات الحزبي, تاهت الحلول والمعالجات للقضايا والمسائل العالقة, والتي لا تتحمل مزيداً من التأخير أو التأجيل, لم يكن لأغلب المستقلين دور بارز أو صوت مخالف لآراء الفريقين المتصارعين, والسبب ربما يعود إلى أن معظمهم تناثروا على تخوم الأحزاب؛ بينما حكمة الشيوخ, فشلت في إخماد حماسة الشباب واندفاعهم, وهذا ما أبقت على فسحة الأمل الواعد لمستقبل الكورد, في حين ضاع  قرار المجلس الوطني الكوردي بين شجار الأخوة, بخصوص الاستحواذ على كل منهم على نصيب الأسد من اللجان (الهيئة الكوردية العليا, العلاقات العامة, رئاسة المجلس,…..) ومضى كل فريق في طريقه, حاملاً في جعبته مشروعه الحزبوي, وتاركاً مصلحة الشعب الكوردي وراء ظهره….

 إن وحدة الصف الكوردي ضروري وملحّ, وعامل أمان واطمئنان, للوصول إلى المبتغى في    تحقيق الحقوق القومية لشعبنا في هذه المرحلة المصيرية من تاريخه, لكن أن تتحول الوحدة إلى عامل كبح لنضال شعبنا ضد جلاديه, وتؤخرنا عن التحرر من نير العبودية والإذلال, وتجعلنا نعيش الخوف والخصام, بعيداً عن السلام والوئام, فلا بارك الله في هذه الوحدة.


لقد آن الأوان لأطراف المجلس الوطني الكوردي, أن يخرجوا من صراعاتهم البينية المزمنة والقاتلة, ويغلّبوا التناقض الرئيسي على الثانوي, وذلك عن طريق اصطفاف محمود في بنيانه السياسي والتنظيمي, خاصة بعد الجلسة الأخيرة للمجلس, وتباهي البعض الانخراط وبشكل فعلي وعملي في صفوف مجلس الشعب لغرب كوردستان, وهذه خطوة جريئة وصحيحة وشجاعة تسجل لهم لا عليهم, بل يصب في مصلحة الجميع؛ فيجب في نهاية المطاف أن تستقرّ الأطراف في مجلسين متجانسين في الرؤى والتوجهات السياسية, (حسب الرغبة والانسجام) تربطهما علاقة الود والتعاون والتنسيق الأخوي, بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك, وحينها فقط نستطيع تنفيذ اتفاقية هولير بعد تعديله وفق خصوصية المجلسين الجديدين, وتنفيذ ما يتم التوصل إليه من قرارات مصيرية, وبما تخدم قضايانا الوطنية والقومية.
إن المجلس الوطني الكوردي بوضعه الراهن, فقد صلاحية وجوده, ومبررات بقائه, كمؤسسة سياسية يجمع بين جنباته معظم فصائل الحركة السياسية الكوردية, وعجز تماماً أن يحول التنوع والاختلاف, إلى حالة من القوة, من خلال مقولة (الوحدة والصراع) خدمة لأهداف الثورة السورية في الحرية وإسقاط النظام, واستجابة للطموح القومي الكوردي, والسبب يعود إلى القصور في الوعي المعرفي والسياسي للشخصية القيادية الكوردية, إضافة إلى الصراعات البينية اللحظية والشخصية والتاريخية بين أغلب فصائل الحركة السياسية؛ مما أوقعت المجلس الكوردي في حالة من العطالة السياسية, والأنانيات الحزبوية الضيقة, لا بل أصبح المجلس اليوم مناخاً مناسباً لحالات التوالد والانقسام, ومظلة لتكريس التعددية الحزبية المفرطة, والتي تجاوزت كل المقاييس الفكرية والسياسية والأيدلوجية, وأمسى سنداً قوياً لصالح استمرارية هذا الكم الكبير من الحزيبات المجهرية التي تعيق الوصول إلى اتخاذ أي قرارات جدية في محطاته الرئيسية يخدم الشأن السوري العام, نتيجة التصويت لصالح هذا الطرف أوذاك.


إنْ الردّ المناسب لهذا السكون السياسي الكوردي والانفلات التنظيمي, يتمثل في تحويل الاتحاد السياسي الديمقراطي الكوردي- سوريا, وبأقصى السرعات الممكنة إلى الوحدة التنظيمية, كما جاء في نظامه الأساسي ((العمل من أجل الوصول إلى الوحدة الاندماجية في أقرب وقت…)) وصولاً إلى حزب ديمقراطي جماهيري موحد, يرتكز على الإرث البرزاني, ويتخذ من نهجه القويم (نهج الكوردايتي) برنامج عمل وطني وقومي, وفتح الباب واسعاً, أمام جميع القوى والأحزاب والشخصيات المؤمنة بهذا المشروع القومي الاستراتيجي الكبير للانخراط فيه, وليغدو الحزب الجديد حاملاً حقيقياً لتطلعات شعبنا القومية والوطنية, في الدولة السورية الجديدة.


ـــــــــــــــــــــــــ

* عضو المجلس الوطني الكوردي في سوريا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس طرق أبواب حيتان الفساد في العراق ليست عملية سهلة ولا عابرة، فهي لا تعني فتح ملفات مالية فقط، بل تعني الاقتراب من بنية عميقة تشابكت فيها السلطة بالمال، والميليشيا بالحزب، والقرار الإداري بالولاء الخارجي. نحن لا نتحدث عن دولة فقيرة، بل عن دولة مرّت عليها خلال عقد واحد ثروة تكفي لإعادة بناء العراق…

مصطفى عبد الوهاب العيسى   في جميع دول المنطقة ، وخلال الأشهر الأخيرة بشكل خاص أصبحنا نلاحظ حالة من التخبط في السياسات الكردية التي تنتهجها النخب والأحزاب الكردية ، وتبعاً لعمر الحركات الكردية في هذه الدول ، ونسب الكرد فيها ، وتوزعهم الديموغرافي ، تتفاوت درجات هذا الاضطراب والضياع الذي يعاني منه المشهد السياسي الكردي . وأرى أن المتأمل بدقة…

ماهين شيخاني ليست قيمة أي برلمان بعدد أعضائه، ولا بجمال النصوص الدستورية التي تحدد صلاحياته، بل بقدرته على تمثيل المجتمع تمثيلاً حقيقياً، وممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية باستقلالية كاملة. فالبرلمان الذي لا يعكس التنوع الوطني، ولا يستطيع مساءلة الحكومة، يتحول إلى مؤسسة شكلية تمنح الشرعية للسلطة أكثر مما تمنح الشعب صوتاً حقيقياً. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه اليوم…

مهند محمود شوقي ليست التنمية في الإقليم، أو في أي مكان آخر، مجرد تراكم لمشاريع إسمنتية أو أرقام تُسجّل في تقارير رسمية. إنها في جوهرها اختبار لقدرة الدولة على الاستمرار في العمل وسط أزمات سياسية واقتصادية متشابكة، وعلى تحويل الضغوط إلى مسارات إنتاج بدل الانكماش. منذ عام 2019، واجه إقليم كوردستان واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخه…