شادي حاجي
في العلاقات الدولية، ليست كل الرسائل تُكتب في البيانات الرسمية، ولا تُختزل السياسة في الكلمات التي تُقال أمام عدسات الإعلام. فكثيراً ما تحمل مراسم الاستقبال، ومكان اللقاء، والأعلام المرفوعة، رسائل سياسية لا تقل أهمية عن الاتفاقيات الموقعة. ومن هذا المنظور، فإن استقبال الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع لرئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، في قصر الشعب، ورفع علم إقليم كردستان خلال مراسم الاستقبال، يمثل حدثاً يستحق قراءة تتجاوز ظاهر البروتوكول إلى عمق التحولات السياسية التي تشهدها سوريا والمنطقة.
من الناحية القانونية، لا يثير رفع علم إقليم كردستان أي إشكال في القانون الدولي. فالإقليم كيان دستوري معترف به بموجب دستور جمهورية العراق لعام 2005، ويتمتع بشخصية دستورية داخل الدولة الاتحادية، وله مؤسسات تنفيذية وتشريعية تمارس صلاحيات واسعة. ومن ثم، فإن استقبال رئيس الإقليم وفق المراسم الرسمية، بما في ذلك رفع علمه، يندرج ضمن الأعراف الدبلوماسية المتبعة في التعامل مع رؤساء الكيانات الدستورية ذات المكانة الرسمية، ولا يشكل اعترافاً بدولة مستقلة.
غير أن القراءة القانونية وحدها لا تكفي لفهم الحدث، لأن السياسة كثيراً ما تستخدم البروتوكول بوصفه لغة غير مكتوبة للتعبير عن التحولات. فالرسائل الرمزية في الدبلوماسية الحديثة أصبحت جزءاً من أدوات صناعة القرار، خصوصاً في المراحل الانتقالية التي تعيد فيها الدول صياغة تحالفاتها الداخلية والخارجية.
وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها تأتي في لحظة تعيد فيها سوريا رسم ملامح نظامها السياسي بعد سنوات من الصراع. وفي هذا السياق، لم يعد الملف الكردي قضية أمنية فحسب، بل أصبح أحد المفاتيح الأساسية لأي تسوية وطنية شاملة. ومن هنا، فإن استقبال رئيس إقليم كردستان في أعلى مؤسسة سيادية سورية يمكن قراءته باعتباره اعترافاً عملياً بأن القضية الكردية ليست ملفاً هامشياً، وإنما عنصراً مؤثراً في معادلة الاستقرار وإعادة بناء الدولة.
ويبدو أن دمشق تدرك أن إقليم كردستان يمتلك خبرة سياسية ودستورية فريدة في إدارة العلاقة بين السلطة الاتحادية والإقليم، كما يمتلك شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، فضلاً عن علاقاته التاريخية مع القوى الكردية السورية. لذلك، فإن انخراط الإقليم في الحوار لا يعني نقل النموذج العراقي إلى سوريا، بل الاستفادة من تجربة سياسية أثبتت أن إدارة التنوع القومي يمكن أن تتم عبر الوسائل الدستورية والمؤسساتية، لا عبر الصراع الدائم.
ولا تقتصر أهمية العلاقة بين دمشق وإقليم كردستان العراق على البعد السياسي أو ملف إدارة التنوع القومي، بل تمتد إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والجغرافية والأمنية التي قد تشكل أحد محاور إعادة ترتيب الإقليم في المرحلة المقبلة. فالعلاقة بين سوريا والعراق، بما فيها إقليم كردستان، تقوم تاريخياً على تشابك طرق التجارة وحركة الأفراد والبضائع والطاقة، الأمر الذي يجعل ممرات العبور وطرق النقل البرية عاملاً أساسياً في أي تصور لإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي.
وفي هذا السياق، فإن تطوير قنوات التعاون بين دمشق وأربيل يمكن أن يفتح المجال أمام إعادة تفعيل الدور السوري كحلقة وصل بين العراق وشرق المتوسط، سواء عبر المعابر الحدودية أو شبكات النقل البري أو مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي. كما أن استقرار الحدود السورية ـ العراقية يمثل مصلحة مشتركة للطرفين، ليس فقط من زاوية مكافحة التهريب والجريمة العابرة للحدود، بل أيضاً من زاوية حماية حركة التجارة والاستثمار وتهيئة بيئة أكثر أمناً للتعاون الاقتصادي.
ومن هنا، فإن تعزيز الحضور الدبلوماسي السوري في إقليم كردستان، بما في ذلك إقامة أو إعادة تفعيل قنصلية سورية في أربيل، لا ينبغي النظر إليه كخطوة إدارية فقط، بل كأداة لتنظيم العلاقات الشعبية والاقتصادية والقنصلية، وتسهيل حركة المواطنين ورجال الأعمال، وبناء قناة اتصال مباشرة مع المؤسسات الرسمية والاقتصادية في الإقليم. فالدبلوماسية القنصلية في هذه المرحلة يمكن أن تكون جزءاً من إعادة بناء شبكة العلاقات السورية مع محيطها الإقليمي.
كما أن أي تقارب سوري ـ كردستاني لا يمكن فصله عن الإطار الأوسع للعلاقة مع بغداد، إذ يبقى العراق الدولة الاتحادية المرجعية السيادية وفق دستوره، بينما يمثل إقليم كردستان شريكاً دستورياً يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة شؤونه الداخلية وعلاقاته الاقتصادية. ولذلك فإن نجاح هذا المسار يتطلب توازناً دقيقاً يحافظ على وحدة العراق، ويعزز في الوقت نفسه التعاون المباشر مع الإقليم ضمن الأطر القانونية والدستورية القائمة.
ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن سلسلة اللقاءات التي سبقتها بين مسؤولين سوريين وقيادة إقليم كردستان في الإقليم وفي أكثر من محطة دولية مهمة، والتي توحي بوجود مسار سياسي متدرج يهدف إلى بناء الثقة وتهيئة الأرضية لحوار أكثر عمقاً بشأن مستقبل الشعب الكردي في غرب كردستان. وإذا صح أن الملفات المطروحة قد تشمل الاتفاقات بين دمشق والإدارة الذاتية، ومنها اتفاقية 29 كانون الثاني (يناير) بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والمرسوم 13 نموذجاً، فإن ذلك يعني أن الإقليم لا يؤدي دور مراقب محايد فحسب، بل قد يسهم في تقريب وجهات النظر بحكم علاقاته مع مختلف الأطراف.
ومن اللافت أيضاً أن هذه الزيارة جاءت قبل استقبال عدد من كبار المسؤولين العراقيين، وهو أمر لا ينبغي تفسيره على أنه إعادة ترتيب للعلاقات بين دمشق وبغداد، بقدر ما يعكس أولوية الملف المطروح على جدول الأعمال. ففي الدبلوماسية، كثيراً ما تفرض طبيعة القضية المطروحة ترتيب اللقاءات، وليس التسلسل البروتوكولي التقليدي للمناصب.
أما بالنسبة للقضية الكردية، فإن الحدث يحمل بعداً رمزياً لا يمكن تجاهله. فرفع علم إقليم كردستان في قصر الشعب، حتى وإن كان إجراءً بروتوكولياً، يمثل بالنسبة لكثير من الكرد تحولاً في صورة العلاقة مع الدولة السورية، وانتقالاً من مرحلة كان فيها الحضور الكردي يُنظر إليه غالباً من زاوية أمنية، إلى مرحلة يصبح فيها شريكاً في النقاش حول مستقبل الدولة. وهذه الرمزية قد يكون لها أثر سياسي يتجاوز حدود المناسبة نفسها.
لكن في المقابل، فإن الحكمة السياسية تقتضي عدم تحميل الحدث أكثر مما يحتمل. فلا زيارة واحدة تصنع تحولاً استراتيجياً، ولا صورة بروتوكولية تغير الوقائع الدستورية. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء مراسم الاستقبال، عندما تتحول الرسائل الرمزية إلى تفاهمات عملية بشأن شكل الدولة، وطبيعة اللامركزية، وضمان الحقوق الدستورية للمكونات، وإعادة بناء مؤسسات وطنية جامعة.
إن التاريخ يعلمنا أن التسويات الكبرى تبدأ غالباً بإشارات صغيرة تبدو في لحظتها مجرد تفاصيل بروتوكولية، لكنها تتحول لاحقاً إلى علامات فارقة في مسار الدول. وإذا نجحت دمشق والقوى الكردية، بدعم من شركاء إقليميين، في تحويل هذا الانفتاح السياسي إلى عقد دستوري جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والتعددية، واللامركزية الرشيدة، وربط ذلك بمشروع اقتصادي يعيد وصل سوريا بمحيطها العراقي والإقليمي، فإن زيارة نيجيرفان بارزاني قد تُذكر مستقبلاً بوصفها إحدى اللحظات التي بدأت فيها سوريا الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء الدولة.
إن قيمة هذه الزيارة لا تكمن فقط في العلم الذي رُفع فوق قصر الشعب، بل في الرسالة التي حملها ذلك العلم: أن الاعتراف بالتنوع، والحوار بين المكونات، والبحث عن حلول دستورية، وإعادة بناء جسور التعاون الاقتصادي والأمني مع الجوار، قد أصبح جزءاً من اللغة السياسية الجديدة في سوريا. وإذا ترسخت هذه اللغة في مؤسسات الدولة وفي دستورها القادم، فإن هذا الحدث لن يبقى مجرد مناسبة دبلوماسية، بل سيكون خطوة في مسار إعادة تأسيس الدولة السورية على أسس أكثر شمولاً واستقراراً.
وإلى مستقبل أكثر تأثيراً وتطوراً.