ثقافة الاعتذار

شادي حاجي

 المقالة المؤرخة أدناه نشرتها في حينها ولمناسبة خاصة بتلك المرحلة وسبب إعادة نشرها الآن كما هي دون أية إضافات فقط لتوضيح أمر مهم حدث بالأمس القريب وهو اعتذار السيد صالح مسلم الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي من رئيس اقليم كوردستان العراق مسعود البرزاني .
لأنني كنت قد ذكرت في تلك المقالة موجهآ خطابي الى المسؤولين والقيادات الكردية ( ولكن يبقى الأمل في أن يفاجئنا أحدكم بالاعتذار والاستقالة يومآ ، وسنبقى متفائلين وننتظر .

بالرغم من أن اعتذاركم سيكون صعب الهضم .) 
واستنادآ لماسبق وباعتبار أن السيد صالح مسلم قد فاجئنا بالاعتذار وهو رئيس حزب جماهيري موجود على الأرض وله دور فاعل بغض النظر إذا كنا متفقين أو مختلفين مع سياساته وتوجهاته فلا يسعنا إلا أن نقول بأن اعتذاره خطوة صحيحة وينم عن حكمة ودبلوماسية ونأمل أن نشهد منه ومن القائمين على تسيير أمور الحزب ( ال ب ي د ) اعتذارات أخرى لأناس عاديين عانوا ويعانون من ممارسات الحزب والمنظمات المرتبطة بالحزب على أن يتوج بإطلاق سراح جميع المعتقلين والمختطفين المذنبين والأبرياء وليكن بمثابة عفو عام وفتح صفحة جديدة لترتيب البيت الكردي ووحدة صفوفه .
وإليكم المقالة المنوه عنها أعلاه :

ماذا بعد مبادرة الاعتذار الذي أقدم عليه الكتاب الكرد ال45 مطلقي النداء الشهير ؟

الجمعة 23 تشرين الاول 2009

شادي حاجي

لقد جرت العادة في الدول المتحضرة أن يعتذر أي مسؤول قصر في واجبه أو ارتكب خطأ ما في حق شعبه والأمانة التي يحملها ، وكما تعلمون جيدآ أن العالم لم يعد يعتبر الاعتذار والتنازل والاستقالة ضعفآ ، خصوصآ عندما يتعلق الأمر بمسؤوليات كبرى ، بل بات يعتبره قيمة أخلاقية تنم عن شعور رفيع بالمسؤولية .
ثقافة الاعتذار يجيدها الواثقون من أنفسهم ،،، ويقبل عليها الأحرار بلا تردد ، فقط يحاربها المساكين الجهلة ،،، ويخاف منها ضعاف النفوس ، فهي صفة النبلاء ،،، وخصلة الأقوياء ولاتعترف بوجود الملائكة على الأرض ، فالاعتذار لن ينقص من قدر الانسان بل يزيده رفعة ومكانة .

فهل آن الآوان للمسؤولين السياسيين الكرد في سوريا الذين لم يقصروا في واجبهم فحسب ، بل فشلوا في انجاز أي مشروع من المشاريع الوطنية التي وضعوها (المؤتمر الوطني ومحاولة ايجاد مرجعية سياسية موحدة – مجلس سياسي كردي – مشروع الحركة الوطنية الكردية) .

تلك المشاريع التي كانت تعتبر مشاريع حيوية نهضوية شاملة ومفصلية بالنسبة للشعب الكردي في سورية وقضيته الوطنية العادلة ، بالإضافة الى أنها كانت مطلبآ جماهيريآ عامآ ، وأيضآ فشلوا ليس في عدم الحفاظ على الأطر التي شكلوها (التحالف – الجبهة – التنسيق) فحسب ، بل في تفعيل وتطوير وتقوية هذه الأطر كما يجب ، كما فشلوا في حماية الشعب الكردي من كافة الكوارث التي حلت بهم نتيجة القرارات والقوانين والمراسيم والاجراءات الاستثنائية الجائرة التي أصدرتها الحكومات السورية المتعاقبة على السلطة بحقهم منذ أكثر من نصف قرن من الزمن ، وارتكبوا أخطاء فادحة أرهقت الجيل الحالي وسترهق الأجيال المقبلة كثيرآ وتكبدهم الكثير من الوقت والجهد بحيث أن كل طفل كردي يولد سيقع على كاهله حمل مالايمكن حمله من المسؤولية تجاه شعبه وقضيته العادلة ، وسيدفعون ثمنآ باهظآ بسبب السياسات الفاشلة التي اتبعوها خلال مسيرتهم ، والأدلة والبراهين كثيرة لامجال هنا لتقديمها تفاديآ للإطالة ، بحيث لايمكن أن يغفر لهم ذلك ، ويتركهم الشعب الكردي الأبي أن يستمروا في تدميره وتدمير مستقبل أولاده.
لذلك الاعتراف بالخطأ والفشل ، وتقديم الاعتذار للشعب والاستقالة من المناصب والمسؤوليات ، لإتاحة الفرصة للغير وخاصة من جيل الشباب للخوض في غمار السياسة بقوة واقتدار ليس عجيبآ ولامنة .

لماذا ؟ لأنكم ياأيها الساسة مدركون تمامآ لحجم أخطاءكم لكنكم تتكابرون وتمتنعون عن الاعتذار ، وتطالبون الشعب أن تقبلكم كما أنتم ، واعلموا أن من يكون على هذه الشاكلة هم الذين يعانون من ضعف الشخصية وعدم القدرة على مواجهة المواقف وكذلك يمكن وصفهم بالغرور ، فليس العيب أن يخطأ ويفشل الانسان بل العيب في أن يستمر بالخطأ والفشل.
هل سنشهد أن يقدم ال45 مسؤولآ الى الاعتذار والاستقالة ؟ .

اسوة بالكتاب الكرد ال45 مطلقي النداء الشهير الذين أقدموا وبكل جرأة وشجاعة على الاعتذار وبشكل علني وواضح وصريح وسوف أقتبس لكم ما جاء في النداء وبالحرف (نسارع نحن كبادرة حسن نية ، وبشعور عال من التفهم والمسؤولية ، الى الاعتذار من أي اسم كان ، سواء أكان شخصية سياسية أو ثقافية أو اجتماعية ، فيما اذا أحس أننا أسأنا إليه من قصد أو من غير قصد) انتهى الاقتباس .

أقول هذا وأنا أعرف حق المعرفة بأنه من الصعب جدآ أن يقدم أي منكم (وأقصد السياسيين) الى الاعتذار للشعب الكردي في سوريا لأنكم بعيدون جدآ عن مثل هذه الثقافة – ثقافة الاعتذار والاعتراف بالخطأ والفشل ، لأنها غير واردة أبدآ في قاموس أصحاب القرار والإصدار السياسي الكردي في سوريا كما هي غير واردة أبدآ عند باقي أفراد الشعب فيما بينهم ، ولكن يبقى الأمل في أن يفاجئنا أحدكم بالاعتذار والاستقالة يومآ ، وسنبقى متفائلين وننتظر .

بالرغم من أن اعتذاركم سيكون صعب الهضم .
ألمانيا
في 23-10-2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يثير المرسوم الصادر عن رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع رقم (13) لعام 2026، الذي يؤكد أن السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، نقاشاً واسعاً حول طبيعته القانونية، وجدواه السياسية، وقدرته الفعلية على إحداث تحول حقيقي في بنية الدولة وعلاقتها بمكوّن أساسي من مكوّناتها….

كفاح محمود تواجه الدول الخارجة من الاستبداد سؤالاً حاسماً: كيف تُقيم عدالةً انتقالية تُحاسب المسؤولين عن الجرائم، دون أن تنزلق إلى عقابٍ جماعي يطال الموظف والمثقف والفنان لمجرّد انتماءٍ وظيفي أو حزبي؟ في العراق بعد 2003، وفي ليبيا وتونس واليمن، وحتى في سوريا مؤخراً، تحوّل هذا السؤال إلى اختبارٍ عملي لحدود القانون وكفاءة الدولة ومناعة المجتمع، فالأمم لا تصنع بشعاراتها،…

نظام مير محمدي *   يستند هذا المقال إلى أحدث البيانات الميدانية، وإطلاقات أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (NCRI)، وتقارير منظمة مجاهدي خلق الإيرانية (PMOI/MEK)، والمواقف الرسمية للسيدة مريم رجوي. يشير الوضع الراهن بوضوح إلى ارتكاب جريمة كاملة ضد الإنسانية وانتهاك ممنهج لمواد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.   أرقام صادمة عن المجازر والوضع الكارثي في البرادات (انتهاك المادة…

هجار أمين بصفتي كوردياً سورياً عشت مأساة الحرمان من الجنسية وشاهدت كيف حوَّلت سياسات النظام السوري هويتي إلى جريمة، أتلقى خبر مرسوم الرقم 13 الجديد بعيون يملؤها التشكيك أكثر من التفاؤل، وبقلب يحمل جراح الماضي أكثر من أحلام المستقبل. الجنسية.. تلك الكلمة التي حُرم منها آلاف الكرد السوريين منذ إحصاء 1962 المشؤوم، يعود النظام اليوم ليعدنا بإلغاء نتائجه، لكن كيف…