الطفولة الفلسطينية والقربان

بير رستم

منذ مدة والصراع الفلسطيني – الفلسطيني؛ (فتح وحماس) قد أطل برأسه وبرز على الساحة الوطنية الفلسطينية، فقد بدأ بدايةً مع أزمة الانتخابات وانقسام الشارع الفلسطيني بين كلٍ من (فتح وحماس) وبقية الفصائل الفلسطينية الأخرى، وهو (أي انقسام الشارع) وإن كان في أسطع أوجهها تعبر عن المناخ الديمقراطي ومسألة المنافسة على أصوات الناخبين وخاصةً في البلدان التي تتمتع ليس فقط بالاستقلال وإنما تمتلك أيضاً إرثاً وتاريخاً من الديمقراطية والمنافسة الحرة والنزيهة لكسب أصوات الشارع (المواطن) وذلك بعد أن تُقدم برامج سياسية اقتصادية اجتماعية واضحة للناخب ومن خلال تلك البرامج وبآلياتٍ ديمقراطية سلمية تعمل بين مواطنيها للحصول على أكبر نسبة ممكنة من الأصوات الانتخابية وبالتالي تصل إلى السلطة بتشكيل حكومتها المرحلية ويبقى هناك (هامشٌ) واسعٌ من الديمقراطية لتعمل المعارضة من خلالها وتشكل حكومة الظل.

هذه القضية صحيحة بالنسبة إلى البلدان التي لها تقاليد ديمقراطية حقيقية – كما قلنا قبل قليل – ولكن بالنسبة إلى بلداننا في الجنوب عموماً أو ما يعرف (بالعالم الثالث) أو المتخلف والتي ما زالت ترتكز في منطلقاتها النظرية والفكرية؛ القانونية والدستورية وحتى في شؤون إدارة البلد والصراعات المتراكمة عبر أجيالٍ وأجيال إلى قضايا غيبية – دينية (غير علمانية) وبعيدة عن روح العصر والتي تؤسس لمجتمعات مدنية دستورية برلمانية، فإن قضية الانتخابات الديمقراطية غير ناجعة وناجحة في هذه البلدان وما نشاهده في ساحات الصراع في منطقتنا (العراق، فلسطين، لبنان) وغيرهم من البلدان – وما أكثرها للأسف – ما هي إلى شواهد على ما نقول، وبالتالي فليس أمام شعوبنا وبأطيافها المتنوعة والمختلفة دينياً وعرقياً وسياسياً و..

إلا أن تتوافق فيما بينها لتحل صراعاتها ونزاعاتها سلمياً و إلا فليس أمامها سوى الحرب الأهلية الطاحنة كما حصلت في أوروبا في القرون الماضية.
ولكن ألا يمكن أن نحل قضايانا العالقة و(المستعصية) هذه سلمياً ومن دون سفك الدماء وتقديم القرابين البشرية كضحايا مدنية، وبالتالي أن نستفيد من تجارب الآخرين (أوروبا مثلاً) وأن نتخذ من مجازرهم وملايين الضحايا التي حصدتها تلك الصراعات والحروب الدامية والتي دارت بين شعوب أوروبا ومذاهبها (الكاثوليك والبروتستانت) عبراً ودروساً وهكذا نقفز من فوق البركان؛ بركان أحقادنا المتوارثة من الآباء والأجداد.

نظرياً ممكن ولكن على المستويات العملية والتطبيق على الأرض وتوزيع (الكعكة) نشك أن تكون لنا القدرة على تجاوز حالة الاحتقان هذه من دون الويلات والكوارث التي تأخذ آلاف الضحايا معها إن لم نقل الملايين.
راودتنا هذه الأسئلة والقضايا ونحن نشاهد ضحايا العنف على شاشات التلفزة، إن كانت في الشرق أو الغرب وتحديداً ونحن نشاهد أباً فلسطينياً يحمل طفله (القربان) وذو السنوات الثلاث – على أكثر تقدير – بين ذراعيه منهك القوى والنفس والروح.

بل محطم تماماً؛ فلا يعرف أن يعزي نفسه أم يعزي الفصائل الفلسطينية (فتح وحماس) المتصارعة والمتناحرة على النفوذ – وأي نفوذ – والتي تسببت في (مقتل) ابنه برصاصةٍ طائشة، فتحاوية أم حماسية لا يعرف (وما الفرق).

أم أن يعزي القضية والطفولة والحلم الفلسطيني والذي يُضحى به على مذبح الصراع الدموي بين “الأخوة الأعداء” الذين دفعوا بعسسهم وميليشياتهم إلى الشوارع كأشباح أفلام الهوليود يزرعون الدم والخراب في تلك الأزقة وبين الأهل.
إننا نحن الكورد قد عانينا الويلات والمآسي التي تقشعر لها الأبدان وقد ذكرني ذاك الأب الفلسطيني وهو يحمل طفله بين ذراعيه باكياً بصمتٍ وحرقة على براءة الطفولة وهي تذبح بيد الأخوة وليس (الأعداء)، نعم..

ذكرني ذاك الأب بأبٍ آخر وهو يحمل طفله إلى ما فوق رأسه ليرميه في الوحل ولكن عندما تلتقطها عين كاميرا لصحفيٍ مهووسٍ ومجنون وبوقاحةٍ لا تخلو من الألم، فإنه يتراجع خجلاً عن فعلته تلك وليحتضن الطفل (الألم) من جديد.

بالتأكيد لم يكن ذاك الأب الكردي والذي (أراد) أن يرمي بطفله في الوحل وهو يهرب من جحيم صدام الكيماوي، أقل حباً وحناناً من ذاك الأب الفلسطيني وهو يحتضن طفله (المقتول)، بل كان للأب الفلسطيني متسعٌ من الوقت لأن يدفئ روحه وهو يتأمل جثمان طفله (المذبوح) بين يديه وأن يجد له قبراً صغيراً يأويه  بينما الأب الكردي لم يكن يملك حتى ذاك الوقت و(المتعة) ليرى فيه ابنه وهو يحتضر، ناهيك من أن يحفر له قبراً يحتضنه؛ فالمأساة هنا أوسع وأكبر.
نعم نحن الكورد أيضاً قد عانينا من حرب “الأخوة الأعداء” وكانت ألوان (قبعاتنا) هي التي تفرق بيننا، كما هي اليوم تفرق بين الفلسطينيين ما بين الأصفر والأخضر – ويا لسخرية القدر – إنها الألوان نفسها التي فرقتنا نحن الكورد يوماً ونأمل أن تكون الأخيرة وأن لا تخرج من قمقمها مرةً أخرى وبأن تبقى القضية والحلم الكردي “خطاً أحمر” وفوق أي (اعتبار) آخر، بحيث أن تكون مصلحة شعبنا هي الأولى في سلم أولوياتنا وتراتبها وفوق كل الانتماءات والاعتبارات الفئوية والحزبية والدينية وحتى العرقية والسياسية.

وهذا ما نتمناه ونأمل به للآخرين و لعلى أن تأخذ به أيضاً الفصائل والحركات الفلسطينية المتصارعة منها أو الواقفة على حافة الصراع؛ وذلك بأن يكون الدم الفلسطيني وإراقته على يد الأخوة “خطاً أحمر” لا يجوز لأحدٍ تجاوزه.
وكوننا نعاني المعاناة ذاتها في كوردستان عموماً؛ حالة الاحتلال والانقسام بين ولاءات وخلافات حزبية – سياسية تصل أحياناً إلى حالة الاقتتال الداخلي وإراقة الدم الكردي وكما يقال في المثل الشعبي الكردي: “العليلُ بحال العليل عالمٌ” وأيضاً من منطلق اهتمامنا بالقضية الفلسطينية كونها قضية إنسانية أولاً وتالياً قضية تحررية مثلها مثل القضية الكردية والدارفورية والآمازيغية وغيرها من قضايا الشعوب التي تتطلع إلى الحرية والاستقلال، فإنه من الواجب الأخلاقي ناهيك عن السياسي بأن يكون لنا صوتاً في قضية الاقتتال الداخلي الدائرة بين أبناء القضية الواحدة والتي تحصد أرواح الأبرياء في شوارع غزة والضفة.
ولذلك وكوننا لا نمتلك إلا صوتنا وأيضاً ومن المنطلقات السابقة نناشد وننادي كافة الفصائل الفلسطينية إلى وقف العمليات العسكرية وسحب الميليشيات المسلحة من شوارع غزة وغيرها والجلوس إلى طاولة المفاوضات والتي هي الوسيلة الوحيدة في حل الخلافات الداخلية ولا سبيل أمامهم غير التفاوض والتوافق حول القضايا الفلسطينية و إلا فإن الحلم الفلسطيني سوف يسحق تحت أحذية هذه الميليشيات الفلسطينية نفسها والتي هي وظيفتها أساساً حماية مكتسبات الثورة الفلسطينية ومنظمة تحريرها ومن بعد تلك السنوات الطوال من التضحية والفداء.

ونقول وننادي أخيراً..

أوقفوا هذه الحرب الطاحنة لجسد الطفولة الفلسطينية.

جندريسه – 2007

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…