من أجل بناء اندماجية بارزانية

  جان كورد

 الاندماجية حالة من التداخل والتفاعل المؤسساتي بين جمعيات ومنظمات وأحزاب وشخصيات متقاربة فكرياً وهدفياً، والبارزانية هي الفكر أو النهج الذي تسير عليه الاندماجية في تداخلها وتفاعلها وممارساتها وسياساتها.

وعليه فإن الحديث عن “البارزانية” دون وجود إناء جامع ومنتظم لها لايفضي إلا إلى مزيد من التسيب واللاعلمية واللامسؤولية التاريخية، وتشبه في هذه الحالة ماء نهر عظيم يتدفق دون الاستفادة المرجوة منه، والاندماجية التي بلا فكر ولانهج يحدد أبعاد مسيرتها ستكون بمثابة تجميع أحجار البناء دون القيام بالبناء ذاته.
ولكن لماذا الاندماجية ولماذا البارزانية؟
لقد جرب الكورد السوريون مختلف صياغات “العمل المشترك” منذ بدء مسيرتهم السياسية لانتزاع حقوقهم القومية والإنسانية المغتصبة فلم يحققوا ما أرادوا تحقيقه لأن قواهم تبعثرت وأوانيهم تكسرت وتبددت طاقاتهم الكبيرة وذهب ريحهم بعد كل محاولة، فشرع البعض ممن ينظرون بعقلانية إلى الأمور وبواقعية في التفكير في تجميع تلك القوى المتقاربة فكرياً بدايةً ومن حيث الأهداف والسياسات والمرجعية القيادية التي يتكئون عليها في أطرهم تلك، كمرحلة ضرورية أولى على طريق “وحدة الصف الوطني”، فوجد هؤلاء بأن ثمة عدد كبير وامكانات لايستهان بها من الشخصيات الكوردستانية والتنظيمات الشبابية والأحزاب السياسية والجمعيات ذات الأهداف الاجتماعية والفنية والثقافية والبيئية، وحتى الكتائب القتالية، المؤمنة بأن مرجعيتها الأولى هي “النهج البارزاني” الذي أسسه عبر الكفاح التحرري الطويل الأمد من خلال العمل الدؤوب قائدهم العريق في التضحية والكفاح، ملا مصطفى البارزاني، الذي يرقد منذ أن خانته القوى العالمية في مقبرة متواضعة على رابية في معقله الأم بارزان، ولكن لايمر يوم إلا ويزورن مرقده المخلصون له وأصدقاء الكورد جماعات وفرادى، تأكيداً منهم على الوفاء لنهجه الوطني الذي لايشوبه غبار واحتراماً وتقديراً لما قدمه لأمته الكوردستانية من خدمات جليلة في حياته المليئة بالانتصارات والهزائم, تلك الحياة التي تحولت إلى أعظم دروس النضال القومي التحرري من بعده.
وظاهر أن فكرة بناء اتحادٍ سياسي ديموقراطي كوردي في غرب كوردستان قد قامت على أساس التقارب الذي تنظر إليه أحزابه (البارتي، يكيتي، آزادي) من حيث ايمانها العميق بضرورة الاستمرار معاً على “نهج البارزاني” وهذا يعني ضرورة التنسيق التام بينه كاتحاد سياسي وبين الإخوة الكوردستانيين من خارج سوريا، الذين يؤمنون أيضاً بهذا النهج ويسعون لديمومته وانعاشه وتقويته كوردستانياً، وفي مقدمتهم الإخوة في الحزب الديموقراطي الكوردستاني الذي يترأسه السيد مسعود البارزاني، رئيس اقليم جنوب كوردستان، الذي تربى في مدرسة هذا النهج منذ نعومة آظافره، ويعتبر من أشدنا ولاءً له.

ولكن نرى من بين الكورد أحزاباً وشخصيات تجد هذا الاتحاد السياسي، الطبيعي والواقعي من وجهة نظر ديموقراطية، عملاً غير  مناسب لهذه المرحلة التي تم فيها بناء المجلس الوطني الكوردي الذي من مكوناته هذه الأحزاب المنضمة للاتحاد السياسي أيضاً، وهؤلاء الناقدين يتوزعون على مكونات المجلس المشترك وعلى من اتفقوا مع المجلس على بناء ما اسموه معاً ب”الهيئة الكوردية العليا”.
ولكن هل من المتفق عليه في المجلس وفي الهيئة العليا أن لاتتوحد أحزابهما دون موافقتهما؟ أم أن توحد أو اتحاد بعض هذه الأحزاب يعني أوتوماتيكياً موتهما أو إهمالهما؟ بالطبع لا، وقد يشجع اتحاد بعض هذه التنظيمات سواها (وهي عديدة مع الأسف) فتعلن عن اتحادها أو وحدتها أيضاً، وبذلك تخف أزمة الانشقاقات والانقسامات التي تبدو وكأنها قدر الحركة الكوردية، ولذا فأنا أجد وحدة القوى الكوردية أو اتحاد بعضها أمراً إيجابياً ولايضر بالعمل المشترك المأمول، على الرغم أن كل هذه المخاولات تمت وتتم في عجالة ودون العودة إلى مصدر السلطات الذي هو الشعب الكوردي، بل أفضل شخصياً اندماج تنظيمات هذه الأحزاب، وبخاصة خارج البلاد، لتصبح قوة ضغط على القيادات فتدفع بها صوب مزيدٍ من التفاعل والتداخل والانسجام فيما بينها.

لذا, أدعو سائر الإخوة المؤمنين بضرورة توحيد الفصائل والقوى الكوردية المتقاربة فكراً وممارسة وتركيباً ونهجاً عملياً، وأخص هنا بالذكر تنظيمات الأحزاب التي تعلن بصراحة وفاءها للنهج البارزاني والتي تناضل خارج سوريا الآن أن تتداعى إلى مؤتمر جامع لها لبناء “اندماجية بارزانية” بغض النظر عن ولاءاتها الحزبية، وتضع لنفسها الخطة الضرورية لتوحيد كافة منظمات أحزابها على الصعيد العالمي، شاءت قياداتها في الداخل أم لم تشأ، فالأوضاع المزرية للشعب السوري عامةً والكوردي خاصةً تفرض الحركة صوب التوحد والاندماج لا البقاء في مستنقع الانقسام التعيس.

وآمل أن تهرع القيادات المؤمنة ب”النهج البارزاني” إلى دعم هذا الاتجاه لا معارضته، كما آمل من الأحزاب التي لاترى نفسها معنية بهذا الاقتراح أن لاتحارب الفكرة وتعمل هي الأخرى على التوحد أو الاندماج مع سواها من الأحزاب والقوى التي تراها أقرب إليها من هذه الأحزاب والتنظيمات التي نعتبرها أو هي تعتبر نفسها “بارزانية”…

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…