يوم المسرح العبثي

حسين جلبي

عُرضت أمس على مسرح الأحداث في سوريا مسرحية هزلية هزيلة من أربعة فصول كان أبطالها عائلة الأسد و أولئك الذين لا زالوا يدورون معهم في الحلقة المفرغة ذاتها، و التي تضيق ساعةً بعد أُخرى حول رقابهم.

فلقد خرج علينا في البداية فاروق الشرع بتصريحات مُفاجئة قال فيها إنه لا النظام و لا المعارضة قادران على الحسم العسكري، و أن الحل يجب أن يكون من خلال تسوية تاريخية تشمل دولاً إقليمية أساسية و أعضاءً في مجلس الأمن.
عند هذا الحد إنتهى دور بالونة الشرع الإختبارية الذي أتخذ لنفسه خلالها دور حمامة السلام، و قبل أن يغادر المنصة دخل حسن نصرالله عبر شاشة البلازما متخذاً دور الصقور، قائلاً أن من يظن أن المعارضة المسلحة يمكنها حسم الموقف على الأرض مُخطئ جداً جداً جداً جداً جداً (أي خمس جدنات دفعة واحدة)، حتى نفذت ذخيرته منها، و قد ذكر ذلك مشاهديه بصواريخه التي كان يقول بأنها ستصل إلى ما بعد بعد حيفا.
عندها أطلت إيران بعمامتها السوداء، و هي تتخذ لنفسها دور راعية كل السوريين و أمهم الحنون، حيث أعلنت عن إطلاق مبادرة إنسانية جداً تقوم على وقف إطلاق النار من الجميع، و البدء بتقييم الأضرار على الأرض، ربما للبدء فوراً في إعمار البيوت، لكي يستطيع الناس الإستمتاع بدفء الأيام الأخيرة من الشتاء، و عفا الله عما سلف.
لكن الفصل الأخير و الأكثر هزلاً في هذه المسرحية السريعة جاءت من بشار الأسد نفسهُ، إذ أنه و عبر تسريبات نقل عنه خلالها أنهُ في حال عدم نجاح بالون الشرع الإختباري و ما تلاه، فإنه سيقوم بإستعمال دبوس الذكاء المُفرط لديه في ثقبه، و سيعبر عن إستيائه لتلك التصريحات، و القول بأنها تعبر فقط عن وجهة نظر صاحبها الشخصية.
لكن هذا لم يكن كل شئ في الواقع، إذ جرى كل هذا العرض الكئيب على أنغام مُبادرة روسية يلفها الصقيع، إستجمعت من المسرحية ذاتها كل فصولها دون أن تتمكن من خدمة الغرض منها، لكنها لم تكن تقل سوءاً في الإخراج عنها، و لعل أردأ الفصول في لعبة السذج هذه كانت في الفصل الأول، إذ لم يصدق أحدٌ حتى اللحظة أن موظفاً برتبة نائب في نظام شمولي يمكنه أن يتجرأ و يستدعي صحفياً أو يلبي رغبة الأخير في حوارٍ ما، و من ثم يتجرأ ثانيةً و يدلي بتصريحات تهدم الأسس التي بني عليها القتل و التدمير لمدة عشرين شهراً في سوريا، بالقول بما معناه بأنه لم تكن هناك مؤامرة، و أن نظامه غير قادر على الحسم، و قد كان الزعم بالقدرة على الحسم هو مصدراً لشرعية النظام حتى اللحظة و كذلك مبرراً لكل القتل و التدمير.
إلا أن الذي أحزن هؤلاء الممثلون الفاشلون أنهم لم يلقوا متفرجاً واحداً في نهاية العرض يُصفق لهم و لو من باب الشفقة، اللهم إلا هم أنفسهم خلال تبادلهم عبارات الثناء، لذلك لم يكن منهم سوى الإسراع في إنهاء العرض الخائب سريعاً، إنتظاراً لساعة الحقيقة التي بدأت عقاربها تلدغهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…