تطورات كُردية سورية تستحق التنويه

حسين جلبي

انتقلت الحركة الكُردية في سوريا منذُ بدء الثورة السورية من مرحلة المراوحة في المكان إلى التراجع إلى الخلف، ذلك أن كل خطوة خطتها المعارضة العربية منذ ذلك الوقت قابلها تأخر زميلتها الكُردية عنها أو السير في اتجاه مُختلف، مما كان يعني في الواقع اتساع الهوة بمعدل الضعف بين الكُرد و بين ما يسعون إليه في سوريا المستقبل و الذي تعتبر المعارضة العربية أحد الجسور الموصلة إليه، و لا يغطي على ذلك ما يبدو من (نجاحٍ) في ترتيب البيت الكردي الداخلي، إذ أن كل ما هنالك ليس سوى تجمعات لغايات هي تجميل الحركة الهرمة،أحد مظاهره هو القيام برحلات جماعية هنا وهناك للترويح عن النفس، في حين بقي بقي كلٌ يغني على جيباه و كذلك حزباه.
بعد عشرين شهراً من بدء الثورة يحسم المجلس الوطني الكُردي اليوم و هو أكبر تجمع للأحزاب الكُردية و التنسيقيات و المستقلين خياره و يقرر الانضمام إلى أكبر تجمع للمعارضة السورية يحظى بأكبر إعتراف دولي و سيدير البلاد في الفترة المقبلة، يُقال في مثل هذه المناسبات: أن تأتي مُتأخراً خيرٌ من أن لا تأتي أبداً، و حسناً فعل المجلس إذ هو يتجاوز عقباته التي وضعها بنفسه ليبرهن بقراره هذا على أن الكُرد شركاء في الثورة و الدولة، و ليحاول بتقربه هذا من المعارضة لا بل و تواجده في صفوفها إزالة ما علق بصورة الكُرد من تشويشٍ و تشويه كان هو ذاته سبباً في معظمه، إضافة إلى آخرين من خلال تصرفاتهم الرعناء التي لا تمثل أحداً سواهم.
الشعب الكُردي في سوريا لا ينتظر من المجلس مزيداً من الحذر و التشكيك حتى لو كان كل ما سيتوفر له هو إتفاق نوايا يمكن البناء عليه فيما بعد، لكنه ينتظر منه توضيحاً لما تم خلال الأيام الماضية، خاصةً سماع كلام إيجابي في هذا الموضوع في حين إختفى الوفد الذي كان المفترض به الظهور في المغرب من على شاشات الرادار.
في موازاة ذلك تجري مفاوضات بين أكثر من أربعة أحزاب تنتمي للمجلس الكُردي لإعلان ما سُيطلق عليه (الإتحاد السياسي) بينها، و قد سبق للأحزاب الكُردية خلال مسيرتها المتعثرة أن تجمعت بين فترةٍ و أُخرى في مجالس و هيئات مختلفة عصفت بها كلها الخلافات منذُ اليوم الأول لإعلانها، و بقيت منذُ إعلانها مُجرد حبرٍ على ورق كان أحسن مظاهره بيانات مشتركة لم تلبث أن توقفت هي الأُخرى عن الصدور.
إن عوامل الخطر التي كانت تحدق بالتجارب السابقة لا تزال قائمة مهما بدى شكل الإتحاد المُرتقب متيناً، لذلك سيكون أكثرُ جدوىً لو عقدت هذه الأحزاب في القريب العاجل مؤتمراً مُشتركاً تُعلن فيه حل نفسها و تخرج من ذلك المؤتمر حزباً واحداً قوياً بروحية جديدة و شخصية جديدة و ذلك قبل أن تستعجل و تقوم بإطلاق شارة البدء للإحتفال بشئ لم يره الناس بعد و قد تكرر كثيراً و لم يكتب لهُ النجاح، و هنا فإنه ليس هناك ما يمنع من أن يستفيد الحزب الجديد من إمكانيات قيادات الأحزاب التي ستنضوي تحت لوائه و أن توزع المهام عليهم في المرحلة الأولى لإعلانه بصورة لا تستبعد أحداً أو تُحجمهُ تمهيداً لأعطاء الفرصة فيما بعد للجيل الشاب.
إلا أن ما تشهده ديرك منذُ إختطاف إبنها البار بهزاد دورسن، القيادي في البارتي، يبقى أمراً لافتاً لكنه ليس غريباً عنها، فمنذُ إختطاف بهزاد و ديرك لا تهدأ، حيث تشهد بشكلٍ شبه يومي مظاهرات و إحتجاجات ونشاطات مختلفة، تحت الأمطار و في البرد القارس، تعبر من خلالها عن محبتها لأبنها الغائب، و وفائها له، و رغبتها في عودته، و إستنكارها لفعلة الخاطفين.
و الحقيقة فإنه من النادر أن تُجمع مدينةٌ ما على محبة أحد أبنائها كما هو شأن ديرك مع بهزاد، لكنها هي هكذا المُدن الكُردية عندما يحبها أبنائها، إذ هي ترد لهم التضحية إعترافاً بالجميل.
تحيةً كبيرة إلى ديرك، تحية لبهزاد دورسن حيثما كان، و أقول لهُ رغم كل شئ طوبى لك محبة ديرك، ستعود إلى حضنها الدافئ و ستعيد الإبتسامة إلى وجهها.
من يراهن على أن ديرك ستتعب أو تدير ظهرها لبهزاد و تنساه فهو لم يختبر الديركيين بعد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…