القضية الكردية في سوريا بين سندان المزاودة ومطرقة العدمية

علي شمدين

نشرت مؤخراً مواقع ألكترونية تصريحاً للدكتورعبدالحكيم بشار (سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا/ البارتي)، يستعرض فيه مواقف شخصيات دولية ومعارضة سورية يقول بأنها إتصلت معه حول ضرورة إنضمام المجلس الوطني الكردي في سوريا إلى الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهو يعرض هذه الآراء على إستفتاء أنترنيتي عشية انعقاد إجتماع الهيئة التنفيذية للمجلس الوطني الكردي، بهدف حشد الرأي حول موقفه الداعي إلى الإنضمام إلى الإئتلاف الجديد من دون قيد أوشرط، وذلك بالضد من توجه المجلس الكردي الداعي إلى إشتراط هذا الانضمام بالاقرار الدستوري بحقوق الشعب الكردي.
ككردي مهتم بهذا الشأن ويعمل فيه، أرى من الواجب المشاركة برحابة الصدر في هذا الإستفتاء الذي طرحه بشار، رغم إننا لم نكن نحبذ مثل هذه الحوارات على صفحات الانترنيت، ولهذا فمن غير الممكن ان تقتصر مشاركتنا على مجرد التصويت بنعم أو لا في هكذا قضية مصيرية، وإنما بعرض بعض الملاحظات التي قد تساهم بشكل مخلص في وضع الاستفتاء في مساره الصحيح الذي حاول الدكتور حرفه عنه مع الأسف الشديد من خلال الاستقواء بآراء بعض الجهات التي تحظى بالإحترام بين الرأي العام الكردي والتي أستخدمها ككلمة حق اراد بها تسويق الباطل المتمثل في الإصرار على الإنضمام إلى الإئتلاف الوطني وبأي ثمن كان، ومن دون أن ينتبه بأن الشعب الكردي لم يعد ينطلي عليه مثل هذه المحاولات التي طالما دفعته نحو مصيدة الذين لايريدون الخير للشعب الكردي.
الملاحظ من التصريح ان الدكتور ظل متلقياً لابل مروجاً لنصائح تلك الشخصيات الداعية إلى تأجيل البحث في القضية الكردية الى حين سقوط النظام وانتخاب برلمان ديمقراطي، وهذه المواقف لا تنطلق إلاّ من مصالح اصحابها بكل تأكيد وهذا مفهوم بالنسبة لنا، ولكن من غير المفهوم أن يظل الدكتور بشار صامتاً تجاه هذه الآراء التي تشجع على تهميش المسألة الكردية وتأجيلها، ثم ألم يسأل الدكتور نفسه عن الصدفة التي دفعت بكل هؤلاء الى التواصل معه دون غيره من هيئات ومؤسسات المجلس الكردي الشرعية، فالمؤكد هو أن ذلك لم يتم لأهمية دوره وإنما لتوسله منصباً ما في الإئتلاف الجديد.
 وباسترجاع مواقف الدكتور بشار في المجلس الوطني الكردي، نرى بأن طرحه هذا ليس بالجديد علينا ، فهو نفسه الذي لجأ إلى هذا الإسلوب عندما التقى الدكتور برهان غليون (الرئيس الأسبق للمجلس الوطني السوري) بمدينة إربيل ومن وراء المجلس الكردي وهيئاته الشرعية، واتفاقه معه على الإنضمام إلى المجلس وقبوله باللامركزية الإدارية، الأمرالذي خلق ردة فعل عنيفة لدى المجلس الكردي ولدى الرأي العام الكردي وشكلت آنذاك فضيحة سياسية، إضطر على إثرها إلى إرسال رسالة إلى الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي يدافع فيها عن اتفاقه مع غليون معتبرا ان التخلف عن اللحاق بالمجلس السوري سوف يضيع على الكرد فرصة تاريخية لن تعوض، وحاول تبرير اتفاقه هذا من خلال استعراض مواقف العديد من تلك الجهات الدولية ولكنه لم يفلح لسوء حظه، والفرصة ظلت مرهونة بعدالة قضية شعبنا التي كانت من اهم العوامل التي ساهمت في سحب الشرعية من المجلس السوري الذي فشل في ان يكون الممثل الوحيد للمعارضة الوطنية السورية، وهو اليوم يعيد الكرة من جديد بعد أن حسم المجلس الكردي أمره وقرر ارتهان الإنضمام إلى الإئتلاف الوطني بإعترافه الصريح بحقوق الشعب الكردي في سوريا وفقاً للمواثيق والأعراف الدولية.
إن إحدى أهم الذرائع التي يستغلها الشوفينيون في المعارضة السورية لعزل الحركة الكردية ومواجهتها هي إدعائهم بعدم وضوح مطالبها، وعدم واقعية شعاراتها، والغريب في هذا المجال هو أن الدكتور حكيم له يد في خلط هذه الشعارات وغموضها، فهو الذي فرض شعار حق تقرير المصير على المجلس الوطني الكردي في سوريا في مؤتمره التأسيسي، وهو نفسه الذي تنصل من الشعار في أول صفقة عرضت عليه من المجلس الوطني السوري، واليوم أيضاً كان وراء فرض شعار الفيدرالية على المجلس الوطني الكردي، ليتنصل منه بساعات قليلة عندما دعا إلى الإنضمام إلى الإئتلاف الوطني من دون أية شروط متخلياً بذلك عن مطلب الفيدرالية حتى قبل ان يجف الحبر الذي كتب به القرار، ليصول ويجول من جديد من أجل حشد الرأي العام حول موقفه الداعي الى الانضمام الى الإئتلاف الوطني حتى بدون ذكر للشعب الكردي.
المفارقة المثيرة للشك هي ان الدكتور حكيم يعزف مرة على وتر العاطفة والمزاودة في الوسط الكردي من أجل تسويق شعارات غير واقعية في محاولة منه لكسب الشارع الكردي، وأخرى يتصرف بسلوك كوسموبوليتي وعدمي في تعامله مع المعارضة في محاولة منه لإستمالة التيارات الشوفينية من بينها لطموحات شخصية.
لاشك إن الدكتور حكيم شهد في هذا الإطار الدعم والمساندة من جهات مستفيدة من دوره، إلا أنه بأدائه غير الموفق هذا ضيع فرصته الذهبية وفقد ثقة معجبيه ناهيك عن المختلفين معه، فهو الذي خرج على الهيئات الشرعية للمجلس الكردي دون أن يتوفق في اللحاق بالإئتلاف الوطني ليأخذ مكانه المأمول في الإئتلاف الجديد والصلاة ضمن صفوف الجماعة خلف الإمام معاذ الخطيب.

10/12/2012

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…