المشهد السياسي.. قراءات متباينة ورؤى مغايرة!

  بقلم بشار أمين
نائب سكرتير حزب آزادي
وعضو الامنة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا

منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011 وحتى الآن ، تشهد الساحة السياسية علاقات دولية وإقليمية وعربية وحتى محلية متداخلة ومتشابكة ، بين صداقات قائمة و مصالح إقتصادية وسياسية مستمرة ، وتظهر التباينات في الرأي والموقف من خلال التطورات الدراماتيكية للمشهد السياسي ، بين المعول على هذه الجهة أو تلك ، وبين من يراهن أو يمارس هذا النشاط السياسي أو ذاك العمل بدلالاته السطحية المباشرة أو بدلالة الموقف الآخر أحيانا ، وهذا الآخر النسبي ربما يكون عرضيا أو غير دقيق أو قد يكون مخطئا مرة و ارتجاليا مرة أخرى ..
فهناك من يرى أن حجم التجاذبات السياسية حول الثورة السورية فاق الكثير من التصورات وحتى طبيعة الكثير من الثورات التي حصلت في العالم ، سواء لجهة تعقيدات هذه الثورة أو لجهة الاهتمامات المتزايدة دوليا وإقليميا وعربيا ، وحصول الاصطفافات الحادة في الموقف السياسي والعمل الدبلوماسي المتواصل ، مع امتداداتها المتشعبة لتشكل في مجملها حالة أو أجواء ربما ساخنة من الصراعات ، توحي بأوضاع مختلفة عما سبقتها وعلى أنها حالة ربما فريدة ومغايرة ..
وهناك من يقرأ المشهد السياسي على أنه وضع لا يختلف عن سواه قطعا ، إلا في سياق الفيتوين الروسي والصيني ، الذين أحدثا خللا في الزمن لصالح القهر والاستبداد ، ومع ذلك فإن الثورة تتقدم بأشواط وتتصاعد يوما بعد آخر ، وأن تزايد العنف والبطش والقتل ليس إلا تعبيراً واضحاً عن ضعف النظام وخلخلة صفوفه بعد أن أصيب بضربات موجعة في أركانه الأمنية والسياسية والعسكرية ، ومن الملاحظ بل الواضح أن قوى الثورة في تزايد مستمر وتتعزز الثقة فيما بينها لإيمانها بشرعية أهدافها ومطالبها الوطنية المشروعة ، وتستقطب المزيد من الدعم والمساندة من لدن الأصدقاء ومساندي التغيير والتحول الديمقراطي في العالم  ، مقابل ضعف قوى أمن النظام وشبيحته وعسكره ، بين مختبئ ومنشق ، إلى جانب زعزعة الثقة في صفوفها لأنها تعلم يقينا أن المستقبل ضدها وأن المصير والمآل محتوم بانتصار الثورة وتقدمها ..
إن المرحلة بكل تشعباتها الأساسية لا تغدو عن كونها مسألة زمن ، ” لأن لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة وإنما هناك مصالح إقتصادية وسياسية دائمة ” فروسيا اليوم غير ” الاتحاد السوفيتي الشيوعي” وحتى الصين تنحو اليوم باتجاه اللبرلة الاقتصادية ، هذا ناهيك عن تبدل العلاقات الدولية وحتى المفاهيم بدت تتحول عبر وعي العصر وثقافته ، لاسيما وأن هاتين الدولتين لا مصلحة لهما في معاداة الشعب السوري ودولته المدنية الديمقراطية المرتقبة ، بمعنى أنهما ينبغي أن يغيرا من موقفهما إزاء الشعب السوري وثورته ضد القهر والقمع والاستبداد ، وأن يراجعا في حساباتهما قبل فوات الألإوان ، لأن الثورة ظافرة والاستبداد آيل إلى الزوال لا محال..
من جانب آخر ، تبقى المساعي والجهود الدولية والعربية والإقليمية قائمة على قدم وساق ، وأن المشاريع السياسية لا تزال مستمرة وفي المقدمة منها مشروع المبعوث الدولي والعربي كوفي أنان الذي استقال من المهمة ليكلف مكانه الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي ، الذي باشر للتو رحلة مشاوراته وبدأها بفرنسا حيث التقى الرئيس فرانسوا أولاند لاستشارته بحكم رئاسة بلاده لدورة المنظمة الدولية ” هيئة الأمم المتحدة ” رغم أن الإبراهيمي نفسه غير متفائل بنجاح المهمة مع سوريا ، وفي السياق ذاته من الملاحظ أن المجتمع الدولي يسير باتجاه اتباع أساليب أخرى في التدخل ، يتجلى ذلك من خلال تصريحات زعماء بعض الدول ذات الشأن في الأزمة السورية منها ما أذيع على لسان وزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو أن تركيا لا تستطيع استعاب أكثر من مائة ألف لاجئ سوري ما ينبغي توفير منطقة عازلة داخل الأراضي السورية ، وضمان غطاء لحماية المدنيين ومدّ يد المساعدة لهم من غذاء ودواء ولباس ومأوى للمشردين ، وهكذا تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما وتحذيراته للنظام السوري من مغبة استخدامه للأسلحة الكيميائية في مواجهة الثورة السورية بكل قواها ومكوناتها ، ما يعني أن أمريكا لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء استخدام أسلحة محرّمة دوليا ، ربما يعني ذلك تجاوز الفيتوين للحد من انتهاكات النظام وتجاوزاته للأعراف والقوانين الدولية ..
وعلى صعيد قوى المعارضة الوطنية السياسية ، فإن الجهود والمساعي الدبلوماسية مستمرة وقائمة ، ولا تزال النشاطات ماثلة باتجاه لملمة صفوف المعارضة ، واتخاذ الاجراءات والترتيبات الضرورية لتوفير مستلزمات المرحلة الانتقالية ، وتشهد الساحة السياسية في هذا الاتجاه استجابة واسعة من لدن مختلف الكتل والأطراف والتيارات السياسية العربية منها والكردية والسريانية ، بالاضافة إلى التحالفات الوطنية الأخرى ، ولئن كان هناك تباين في الرأي والموقف من هذا الحدث أو ذاك ، فهذا أمر طبيعي ولا يثير المخاوف قطعا لاسيما المعارضة بطبيعتها اتجاهات متباينة ، والدعوة إلى التلاحم والتكاتف لا يعني الدعوة إلى جمعها وتوحيدها في هيئة حزب أو تنظيم واحد ، بل العمل معا عبر التحاور للتوافق على الصيغ الممكنة في المرحلة الانتقالية ، خاصة وأن المعارضة الوطنية برمتها متفقة على الخطوط السياسية العريضة ، وفي المقدمة منها إسقاط النظام وبناء البديل الوطني الديمقراطي المتمثل في دولة مدنية مبنية على الحريات العامة وأسس ومبادئ العدل والديمقراطية ..

وفي الجانب الكردي ، فإن اتفاق هولير يأخذ الصدارة في مسألة التوافق الكردي ، وتشهد الساحة الكردية جهودا حثيثة لحماية وتطوير هذه التجربة السياسية ، في وقت لم تكن الجماهير والقوى السياسية الكردية تحلم ببناء مشروع سياسي يجمع الامكانات والطاقات الكردية بشكل أعظمي كهذا الاتفاق ، إلا أن تحقيق إنجاز ما أسهل بكثير من حمايته ، أي أن مهمة الحماية أكبر وأهم ، لاسيما هناك غموض لا يزال يكتنف بعض جوانب الاتفاق ، وخصوصا في الجانب العملي والميداني ، لكن ثقتنا عالية بشعبنا الكردي وقواها السياسية ، أن ترعى المصالح الوطنية العليا للشعب السوري ، ومصالح شعبنا الكردي في درئه من مخاطر تكريد الصراع واقتتال الأخوة ، والعمل معا لتجاوز الصعاب وعراقيل المرحلة والعقبات التي يفتعلها النظام ، وأن نعمل معا إلى جانب الثورة السورية بهمة واقتدار ، لأن لا مصلحة لشعبنا السوري وشعبنا الكردي على حد سواء إلا في هذه الثورة الظافرة ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…