هذا الدم الكردي النبيل

إبراهيم اليوسف

إلى محمود والي

هزَّني نبأ استشهاد محمود والي “أبي جاندا”، وأنا أتلقاه، عبر الهاتف، من أحد الاصدقاء، في داخل الوطن السليب، ليس لأنني التقيته، عن قرب، عندما استضافتني منظمة “سري كانيي” رأس العين، لحزب آزادي الكردي، أكثر من مرة” كما منظمة حزب الوحدة”، ولا تزال بقيا صورته في ذاكرتي، فحسب، بل لأنه ممّن لمع نجمهم مع الثورة السورية المجيدة، على نحو واضح، فكان من الأوائل الذين انضموا إلى أولى حركة شبابية، تأسست على عتبة بدء الثورة السورية، استعداداً من قبل عدد من مؤسسيها الأوائل لرفع وتيرة النضال -عالياً- من أجل إحداث التغيير المنشود في سوريا، بالتساوق مع ما أصطلح عليه ب”الربيع العربي”، في المنطقة،
 فكان سرعان ما توسعت دائرة هذا الحراك الشبابي الرائد، خارج مهادها الأول، ليشمل المناطق الكردية في سوريا، وليكون من أوائل هؤلاء الغيارى المنضوين تحت لواء هذا الحراك الذي سيظل، حتى وإن توزع رواده إلى أكثر من عنوان شبابي،  من عداد الرادة الأوائل من صناع الثورة كردياً، حيث كان الشباب الكردي، في داخل الوطن، حامل شعلة الثورة السورية، إلى جانب أخوتهم السوريين، في عناوينهم المعروفة كلها، وهو ما سيتوقف عنده التاريخ، عما قريب، قارئاً، منصفاً، أنى تم تناول الخط البياني للثورة السورية العظمى…!

اسم أبي جاندي، تكرَّر مرات عدة، في كنف الثورة السورية، وصار من الأسماء البارزة في خريطة هذه الثورة، ليشكل مركز ثقل في مدينته، ولا يمكن تجاوزه البتة، أنى جيء على ذكر الثورة في هذا المكان، على اعتباره أحد هؤلاء الذين نحتوا في الصخر، وغامروا بحياتهم، وواجهوا التحدي، تلو الآخر، حتى تشكلت ملامح الثورة، في المكان ذاته، بل وفي الوقت ذاته، لتشكيل ملامحه الكردية، دون أن يساوم –ومن معه- على فرادة تلك الخصوصية، أمام أية محاولة لتغييرها، وتزويرها،  طوع إرادة لا تحمل روح الثورة البتَّة.
وأبو جاندي، ذلك الحزبي المخلص، والناشط الشبابي البارز، والقائد الوديع، المبدئي، لم ينل عضوية “الأمانة العامة” في المجلس الوطني الكردي في سوريا، إلا بعد أن نال ثقة من حوله: زملاؤه في الحراك -حتى وإن تبدل مسماه مرة بعد أخرى- من  حركة شباب الانتفاضة”  إلى اتحاد تنسيقيات شباب الكرد، إلى حركة شباب الثورة، حيث كلها – في التالي- مسميات تضم مناضلين، شباباً، ميدانيين، يعتبرون إلى جانب سواهم من التنسيقيات العاملة، ذات الثقل الثوري، في داخل الوطن، واجهة الثورة، كردياً، ولايمكن نسيان دور هؤلاء الشباب الأبطال البتة، مالم يكن هناك جحود في ميزان التقويم.
وبدهيٌّ، أن قاتل أبي جاندي، أعني قاتل مشعل، أعني قاتل نصرالدين برهك، أعني قاتل جوان قطنة، ليتوهم -وهويزف رسائله في الاتجاهات كافة- أنه قد نجح في تقنعه أو تلثمه، ونشره الخوف، في إهاب لجم الثورة، غير مدرك أن ملامح وجهه واضحة، تفضحه رائحة الدم، وسيرة الشهيد البطل، ومااعترتها من محطات، ونقاط علام، وهي -أياً كان القاتل- محاولة بائسة منه، لاستئثاره بكرسي افتراضي، لمايزل يسيل على أبعاده لعابه، غير مدرك أنه يحفر قبر اسمه، عاجلاً لا آجلاً، مادام أن نظام الدم والاستبداد ساقط لامحالة، وهو سيسحب معه، كل مايشبهه من كناسات، تذروها الريح القادمة لامحالة، الريح التي لن تبقي عرش قاتل، يستخف بالدم، أنى تجبر، أو تفرعن، وهاج، وماج…………..!
elyousef@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…