عيد ناقص

إبراهيم اليوسف

إذا كانت كلمة العيد، لغةً، قد اشتقت من الفعل الثلاثي “عاد، يعود، عود”، فهي  تتضمن معنيي العودة، وفق توقيت زماني، أو العادة، وجمعها أعياد، كما جاء في القاموس، واللسان، وتاج العروس، وقد يكون زماناً كما يوم “الجمعة” أو يومي عيد الفطر، و الأضحى-إسلامياً- وغيرهما من الأعياد فى الأديان الأخرى، وشعوب العالم، كالفصح، أو رأس السنة، أو النوروز..إلخ…، أو يكون مكاناً، أوقد يدلّ على الاجتماع الواسع، سيان أكان ذلك لداع يتعلق بالفرح أو الحزن، وإن كانت مفردة العيد ستتخصص -عادة- لمناسبات الفرح، من دون غيرها، لأن شساعة البون بين عالمي الفرح والحزن، جعلت مفردة”العيد” تنزاح للارتباط بماهو مبهج، على اختلاف مادة البهجة هذه، سواء أكانت دينية، أم شخصية، أم اجتماعية، أم وطنية، أم قومية، أم إنسانية، أم قومية.
ولعلَّ إلقاء نِظرة على الواقع الذي يحيط بنا، يبين لنا أن مفردة العيد، باتت في ظل المأساة التي يعيشها أبناء بلدان كثيرة، في ظلِّ حاجة الطفل إلى علبة حليب، أو لمسة حنان من أم ابتلعتها دوامة العنف، كما غيرها، حيث أصبح منظر رؤية الدماء التي تسيل في الكثير من شوارع الكثير من المدن أمراً مألوفاً، يتعامل معه مواطن العالم الافتراضي، أينما كان، سواء في بيته، أو مكتبه، ولتحقق تلك الدوامة تصاعداً غير مسبوق، لمؤشر الخط البياني لمعدل الأرقام التي كلما ارتفعت، فإن ذلك ليعني أن هناك روحاً قد أزهقت بالرغم عنها، ولن نتحدث هنا عن ذلك الجرح الفاغر فاه، في انتظار آس، أو علبة دواء لن يأتيا، قبل أن يلفظ صاحبه أنفاسه الأخيرة، ويكون الحديث عن جوع المليارات في هذا العالم، سواء أكان ذلك بسبب سياسات الإفقار والتجويع، أو بسبب الحروب التي تتم، عالماً مألوفاً، هو الآخر، إلى تلك الدرجة التي يمكن السؤال في أول كل صباح: ترى كم من أفواه جائعة أضيفت، مع إشراقة شمس هذا النهار، إلى المسغبة الإنسانية المفتوحة، وهو ما يذكر إلى حد بعيد بالسؤال الأكثر استفزازاً، ووخزاً للضمير العالمي: ترى كم ارتفع عداد ضحايا اليوم، والميتيمين، والثكالى، والمنكوبين، والمفجوعين، والمعتوهين، في تراجيديا المجزرة الإنسانية المفتوحة..!.

إن مثل هذا الجو الأكثر ألماً، وهو يهزُّ ضمائرنا، أينما كنا، يجعلنا نقرّ أنه لم يعد هناك للفرح مكان في نفوسنا، بل إن هذا الفرح يكاد ينحسر إلى دوائر جد ضيقة، في ظل استوحاش الآدمي الذي يلتهم لحم أخيه، ويسترخص حياته، ويطعن كرامته في الصميم، ليكون ذلك شأناً عاماً لدى كل منا، ما يجعل التعاطي مع أيِّ عيد، ضمن مثل هذه الرؤية مشوباً بالألم، بل شائناً، حيث العيون دامعة، والأكباد دامية، والقلوب كليمة، والأرواح متقدة ألماً، وكمداً، وحسرات تشكل “بنكها” المفتوح، في انتظار صحوة الضمير، والتحاق المواطن في أيِّ من مواطن خريطة المعمورة، بدورة اللحظة الزمانية، محققاً بذلك المستوى نفسه الذي يحققه أخوه، هنيُّ البال، رخيُّ الحال، أينما كان، كي ينعم سكان البيت الواحد، بغرفه الهائلة، بالقدر الكافي، من حاجته إلى أسباب الحياة الكريمة، بدءاً من الهواء والماء النقيين، والرَّغيف، إلى توفير الأمان على كرامته وروحه، باعتبارهما شأناً يمسّ جيرانه من سكان هذا الكوكب الصغير…!.

أجل، إن عيد الفطر الذي اختلطت أصوات مدافع إفطاره، بأصوات هاتيك المدافع التي تدكُّ  بيوت بعض أهلنا الصائمين،هنا وهناك، ليكون الإفطار على رائحة البارود، أو القذيفة التي كم أسهمت في ديمومة صوم الأهلين، يقرع أبوابنا، وفي أفواه كلِّ منا أسئلة ساخنة، متيبسة، نكاد لا نجد خلاصاً منها، أو إجابة شافية عنها، تعيد للأشياء كلها نكهاتها المنتظرة..!

إبراهيم اليوسف

elyousef@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نورالدين عمر ​تقف جميع القوى السياسية الكردية، في مختلف أجزاء كردستان، صفاً واحداً إلى جانب “روجافا” في هذه المرحلة المصيرية؛ إدراكاً منها لحجم التحديات والمخاطر التي تستهدف الوجود الكردي برمته. ولم يصدر عن أي قيادة سياسية كردية مسؤولة، في أي جزء من كردستان، اتهام أو تشكيك بقيادات قوات سوريا الديمقراطية أو بالإدارة الذاتية، بل على العكس تماماً، هناك إجماع…

سوسن ديكو ما جرى في تجربة الإدارة الذاتية لا يمكن توصيفه بوصفه فشلًا مجتمعيًا، بل إخفاقًا سياسيًا وإداريًا تتحمّل مسؤوليته القيادات التي صاغت السياسات واتخذت القرارات، لا القوى العسكرية ولا الموظفون ولا الفئات التنفيذية ذات الصلاحيات المحدودة. ففي كل تجارب الحكم، تُقاس المسؤولية بموقع القرار لا بموقع التنفيذ، وأي محاولة لنقل تبعات الفشل إلى الحرس أو الجنود أو العاملين في…

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….