القيادة الكردية في سوريا… وجودٌ أم خيال?!…

د.كسرى حرسان

يعيش الوجود القومي الكردي في سوريا هامشية مزمنة تصل إلى حد الإذعان والانحلال العنصري ومحو الشخصية وتتجلى ملامحها ومظاهرها في التعامل الذي يقابله على أنه أقلية تملك حق العيش أو لا تملكه أصلاً، وهذه الحقيقة مؤسفة، ولكنها صحيحة ومؤكدة تماماً، إذ لا يتناقش اثنان في إثباتها أو إنكارها، ولا شك أن تجريد شرائح كثيرة من الشعب الكردي من الجنسية السورية حتى وقت قريب خير شاهد على هذا الواقع المرير.
ومن أجل تعليل هذه الواقعة لابد أن نعزو الأسباب إلى ضآلة الدور أو الوزن الكردي منذ البداية في إثبات وجوده والدفاع عن خصوصيته، ويعود ذلك بالتأكيد إلى افتقار الشارع الكردي إلى قيادة فعلية تؤدي مهامها النضالية بالشكل الذي يلبي طموحاته وتطلعاته.

لقد مرَّ الأكراد السوريون على امتداد القرن الماضي خصوصاً وفي السابق عموماً بمراحل تاريخية عصيبة حافلة بالقسوة والاضطهاد، ابتداءً من الحكم العثماني الذي رسَّخ ركوداً اقتصادياً مدقعاً لدرجة تسميته بالرجل المريض ومروراً بالاحتلال الفرنسي الاستعماري، وكلاهما كرَّس الفقر والجهل والأمية حتى درك الفاقة والإزراء، وهذا كله كاف وكفيل بتحييد الشعب الكردي عن ممارسة حقه بنفسه في تقرير مصيره الذي ظل بأيدي الإقطاع والآغاوات الذين لا تهمهم إلا مصالحهم وأهواؤهم المحدودة والآنية التي لا تتعدى عتبة الحاضر المعيش بغية استشراف آفاق المستقبل، بحيث لن تستوعب من النضال فيما بعد سوى أشكال الولاء والتبعية السياسية التي تمنحها واجهة مقبولة تقيها تجشم المشاق.
إننا إذا قسنا أوضاع الكرد في سوريا بصروف إخوتهم الآخرين في المناطق الكردية الأخرى نرى أن فرصهم النضالية كانت أكثر ملاءمة وتشجيعاً وأحسن مؤاتاة من فرص أولئك الأشقاء، إذاً فالمناخ النضالي الكردي في سوريا كان أكثر مؤاءمة منه في أية بقعة جغرافية كردية أخرى، فلماذا ظل راكداً ومتقهقراً ولم يحرز أي تقدم مذكور?، الجواب هو وجود الإقطاع الكردي في سوريا بقطاعات واسعة ومتفرقة يجعل من المستحيل توحيد القيادة بل يُوجد بسهولة تلقائية الزعامة الفردية التي لا تعرف إلى النضال سبيلاً.
فنتيجة لما سبق ظل الشعب الكردي بنخبته المثقفة محولاً بينه وبين تقرير مصيره أو رسم تطلعاته، فالطبقة الارستقراطية الكردية هي التي تسلمت زمام الأمور، والنضال تحوَّل عن مساره الأصلي لينحو منحى الضعف والاستكانة والتسليم بالأمر الواقع، ويجدر ذكره أن التحكم والاستبداد بالزعامة ليس إلا عبارة عن هوى وتسلط متأصل في الصميم والأعماق، ولذلك لابد من لثام أو غطاء لإخفاء هذا الشغف القديم.
فكيف لا يبقى هذا الشعب مفتقراً إلى وسائل الكفاح والمقاومة، بعد أن أضعنا الوقت حتى تعاظم الخطب وادلهمَّ ليل البغي والطغيان.
وأخيراً فمن حق كل واحد منا أن يُدلي رأيه في أغوار الحقيقة، فهو يقول الحق الذي يجب أن يقال، أما مصادرة الآراء وأن يعيب أحدنا على الآخر رأيه فهذا هو العيب عينه، أليس الرأي رؤية صحيحة لا تعبر إلا عن حقيقة مُرة، أليس صراحة قادمة من موضع الألم الممض.
صحيح أنه ليس للقول محل في ساحة العمل، ولكن عندما ينعدم العمل الجيد لا يبقى إلا أن نقول وهذا أضعف الإيمان.
ملاحظة: بشعور عميق بالحزن والألم أعتذر لأعزائي أصدقاء الفيسبوك عن عدم قدرتي على التواصل معهم بسبب الحجب الذي تعاني منه صفحتي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمدالشرف الحسيني تمهيد: عندما يصبح الخطر من داخل البيت ليست كل هزيمة قومية نتيجة تفوق الخصم، وليست كل خسارة سببها قوة العدو. أحيانًا يكون الخطر الأخطر أن تتحول أدوات النضال نفسها إلى أدوات لاستنزاف القضية من الداخل؛ وأن تُرفع الشعارات القومية في الواجهة، بينما تتحرك في العمق حسابات سياسية أو تنظيمية مختلفة.او امور اخرى. ولعل الأحداث التي شهدها الحدث الكوردي…

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…

علمنا في الهيئات والمنظمات والمراكز الحقوقية الموقعة أدناه من السيد رياض والد القاصر حسن سمو تولد الدرباسية عام 2011، أن ما تعرف بـ«الشبيبة الثورية/جوانن شورشكر»، قامت منذ حوالي شهرين ونصف من الآن، باختطاف ولده القاصر حسن من محله الذي كان يتدرب فيه على مهنة الميكانيك، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم، علماً أنه سبق عملية الاختطاف، تهديده بها أكثر…