نظام الأسد والمجتمع الدولي المهذب

مصطفى إسماعيل

المجتمع الدولي في مواقفه من النظام السوري وجرائمه المتكررة والمشتدة يوماً بعد آخر أشبه بتلميذ مهذب على مقاعد الدراسة الابتدائية, ويمكن تشبيهه أيضاً بمتفرج مدمن على متابعة أفلام الرعب دونما حراك واجب.

بعد عام ونيف من الثورة السورية ضد النظام يبدو المجتمع الدولي أسير بياناته وتصريحاته الصحفية المدببة والدقيقة المحسوبة, إذ يبدو أنه محكوم بشرط دائري من التباينات بين التدخل العسكري وتسليح المعارضة وتأمين ممرات إنسانية إغاثية وفرض منطقة عازلة, فيما ازدادت وتيرة العنف إلى مستويات قياسية, وارتفعت معها أعداد القتلى في صفوف المدنيين السوريين.
المتوافق عليه الأول بين العديد من مراكز القرار العربية والإقليمية والدولية هو الاكتفاء ببيانات التنديد والشجب والاستنكار والتصعيد البلاغاتي الإنشائي السياسي وتسويف وضع النظام السوري على طاولة التشريح, والمتوافق عليه الآخر فيما بينها هو التطويح بكل التكهنات والانتظارات الشعبية السورية, فلا سيناريو ليبي في سوريا كما يفهم ولا تدخل إنساني ولا تسليح للمعارضة (كلينتون: “نحن لا نعلم في الحقيقة ما الجهة التي سنسلحها”), وتنبغي الإشارة هنا إلى بعض المواقف العربية المتقدمة لجهة التشجيع على خيار التدخل العسكري وفي مقدمتها مواقف قطرية وسعودية واضحة.
خلال سنة ونيف اكتفى المجتمع الدولي بسقف عملي انحصر في فرض بعض العقوبات على مؤسسات للنظام وبعض رجالاته, ولم يك لها تأثير عياني بنيوي في تفكيك مؤسسة السلطة أو إضعاف النظام, لكن مجزرة بلدة الحولة أحدثت منعطفاً حراكياً سياسياً, إذ كرت سبحة المواقف الدولية التي لم تكتفي هذه المرة بروحية التنديد بل خطت بقوة واضحة إلى الأمام مع إطلاق حملة نفض العواصم الغربية من السفراء السوريين وتسفيرهم إلى ملاذهم الآمن في حضن النظام.
الخطوة الدولية الأخيرة المتمثلة في ترحيل الدبلوماسيين السوريين تدشين لمرحلة جديدة في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السورية, وهي خطوة حامل, أقلها أنها سحب لبساط الشرعية من تحت النظام السوري, وسحب للاعتراف بالشرعية الممنوحة له, وهي خطوة في الاتجاه الصحيح سيبنى عليها المزيد لاحقاً كما يتبدى – على الأقل – من تصعيد الخطاب السياسي الموقفي لدى العديد من البلدان في مقدمها فرنسا هولاند.
خلال خمسة عشر شهراً فقد النظام مشروعيته الأخلاقية والسياسية والمجتمعية لارتكابه كل تلكم الفظائع من قتل وتهجير واعتقالات وتدمير منهجي منظم, فقدها في الداخل, وها هو يفقدها في الخارج أيضاً رويداً..

رويداً مع ضرورة الإشارة إلى تأخر المجتمع الدولي في اعتماد سياسة حازمة وحاسمة, وفاقاً لذلك فإن الخارج يعضد الداخل السوري ويدعمه سياسياً, وهي قفزة مهمة لأنها تعني خروج المجتمع الدولي من التيه السياسي الذي كان حاكم مواقفه من النظام السوري وارتكاباته على مدار أشهر ماراتونية من سفر محنة السوريين.
لا يعني بدء عملية ترحيل السفراء أو القائمين بالأعمال أو موظفي السفارات السورية في الخارج أن شعرة المعاوية بين النظام السوري والمجتمع الدولي قد انقطعت نهائياً, فالمراقبون الدوليون لا يزالون على الأرض السورية, وخطة عنان التي تشير في أحد بنودها إلى تسوية سياسية لا تزال سارية المفعول وإن ثبت فشلها عملياً, ولا تزال روسيا والصين وإيران تحتفظ برأي آخر حيال الأزمة السورية.
اعتماد خطوة ترحيل السلك الديبلوماسي في الخارج من قبل بعض مراكز القرار الدولي وبعض الدول المهمة سيشجع دول أخرى على سلوك الطريق نفسه, سيما منها تلكم الدول التي شاركت في مؤتمر اسطنبول لأصدقاء سوريا, وهي خطوة ينتظر منها التمهيد لمواقف سياسية أكثر تأثيراً ووضوحاً في مؤتمر باريس لأصدقاء سوريا والذي سينعقد في 3 يوليو / تموز, والذي يتوقع منه نقل المشهد السوري إلى مستوى آخر.
الواضح إلى الآن أن المجتمع الدولي لا يزال يرتدي قفازات حريرية في التعامل مع النظام, ويبدو مهذباً كثيراً قياساً إلى هستيريا نظام الأسد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم محمد تُعد دراسة أسماء المواقع والجغرافيا في منطقة الجزيرة الفراتية العليا مفتاحاً أساسياً وفكرياً لفهم هوية الأرض وسكانها الأصليين والامتداد العشائري والبيئي المرتبط بها عبر العصور. ومن أبرز الحواضر التي دار حول اسمها نقاش وجدل واسع في الأوساط الثقافية والإدارية مدينة القامشلي، المعروفة شعبياً وفي الوجدان الجمعي باسم قامشلو. ويرى البعض، بظاهر العبارة وسجلاتها الحديثة، أن الاسم تركي المنشأ،…

أ. د. سربست نبي بعد مئة عام من إعدام حسن خيري بك (حسن خيري جانكوزاده) علينا أن نفكر بتقديم الاعتذار لهذا السئ الحظ المتواضع، الذي لم يخطر بباله قط، وحبل المشنقة يلف حول عنقه، بأنه لن يكون آخر وأكبر الخونة في التاريخ الكردي، وبأن خيانته ستبدو تافهة وصغيرة، تستحق العفو والنسيان، قياساً للخيانة التي سترتكب بعد مئة عام من شنقه…..

د. عدنان بوزان في المشهد الكوردي السوري الراهن مفارقة تستحق التوقف: لماذا يتحول تغيير لوحة أو صورة أو تمثال في ساحة عامة، أو رفع العلم السوري الجديد، لدى بعض الكورد إلى قضية تكاد تعامل بوصفها اعتداءً على الهوية والقضية؟ المشكلة في الحقيقة ليست في لوحة تزال ولا في تمثال يستبدل ولا في علم يرفع؛ فهذه رموز قابلة للتغيير مع…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ النفط: الستة ملايين برميل التي أصبحت ذكرى لعل النفط يقدم أكثر الأمثلة إثارة. إيران لم تكن تحلم بإنتاج ستة ملايين برميل يوميًا؛ لقد فعلتها بالفعل. فقد تجاوز إنتاجها ستة ملايين برميل يوميًا عام 1974، وبلغ متوسطه أكثر من خمسة ملايين يوميًا بين 1972…