في الميزان: مهزلة الانتخابات التشريعية في سوريا

المحامي مصطفى أوسو*

  لعلها لم تكن غريبة أو مفاجئة ، دعوة النظام السوري إجراء انتخابات تشريعية لدورة جديدة ، في السابع من شهر آيار 2012 في ظل الظروف الاستثنائية جداً التي تمر بها البلاد ، منذ اندلاع الثورة الشعبية المطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة وإسقاط النظام الاستبدادي الشمولي القائم بجميع أسسه ومرتكزاته وبنيانه التنظيمي والسياسي والفكري..
  فهذا النظام وخلال أكثر من أربعة عشر شهراً من عمر الثورة السورية ، أثبت للقاصي والداني ، عدم جديته في التعاطي مع مطالب الشعب السوري المنتفض وتلبية أهداف الثورة واستحقاقاتها ، وحاول بجميع الوسائل والأساليب ، الالتفاف عليها وإجهاضها ، من خلال إدعائه بإجراء إصلاحات ، دستورية وتشريعية وإدارية… ،

والتي لم تتجاوز سقفها المسائل والنواحي الشكلية ، من جهة ، واستخدامه سياسة القمع واستعمال العنف والقوة المفرطة وارتكاب المجازر وجرائم القتل والتعذيب… ، بحق المواطنين السوريين الثائرين ضده ، من جهة أخرى ، في محاولة مستميتة لاستمرار بقائه وديمومته… ، مهما كانت النتائج كارثية ودموية.
 وبإصراره على إجراء هذه الانتخابات ، ضمن الظروف والمناخات القائمة في البلاد ، حيث دباباته ومدافعه وآلياته العسكرية وأجهزته الأمنية وعناصر شبيحته … ، تقتحم المدن والبلدات السورية المختلفة ، الواحدة تلو الأخرى ، وتعيث فيها فساداً وقتلاً وتعذيباً وترهيباً وتشريداً وتدميراً… ، يبرهن النظام مجدداً على مدى ما وصل إليه من طريق مسدود ، ومن دموية وسادية واستهتار ولا مبالاة لا مثيل لها ، بمصير الشعب السوري وبمصير الوطن السوري ككل.
  وكما لم تكن دعوة النظام إجراء الانتخابات المذكورة غريبة ومفاجئة ، كذلك وبنفس القدر ، لم تكن غريبة أو مفاجئة ، تسابق المئات من المرشحين الذين فقدوا الحس الإنساني والوطني ، والمعروفين أصلاً بارتباطاتهم الأمنية وارتزاقهم وتسلقهم… ، لكسب ود النظام ورضاه ، على حساب دماء ولحوم أخوتهم في التراب التي غطت شوارع وأزقة وساحات المدن والبلدات… السورية على اختلافها ، في انتخابات هزلية قاطعها المعارضة السورية بجميع فصائلها وتياراتها وأطرها… ، علهم بذلك يظفرون برضى السلطان ، ويتم إدراج أسمائهم ضمن قوائم الظل ، المكملة لقوائم حزب الإجرام – البعث – وشركائه ، من أحزاب – الجبهة الوطنية التقدمية – المعروفة الآن وبعد إصلاحات النظام بـ قوائم –  الوحدة الوطنية –  والتي تعد وتجهز في مطابخ فروع الأجهزة الأمنية المختلفة ، ولا يظفر بها إلا المنافقين والفاسدين ، والذين لا يجيدون إلا لغة التصفيق ، هؤلاء الذين جردوا من كرامتهم ومن إنسانيتهم وآدميتهم ، لكي يصبحوا في النهاية أعضاء في مجلس لا يمت للشعب ومصالحه وحقوقه… بصلة لا من قريب ولا من بعيد ، ولا هم لهم إلا أن يقيضوا رواتبهم في نهاية الشهر وأن يكونوا أبواقاً للنظام ومبررين لجرائمه ومجازره البشعة بحق الشعب السوري.


  وعدم الغرابة والمفاجئة من تصرف هؤلاء الأشخاص ، أن هذا النظام وخلال السنوات الطويلة من حكمه وسيطرته المطلقة والشمولية على مقاليد الأمور في البلاد ، استطاع أن يؤمن عدد هائل من الأشخاص المنتفعين منه والمرتبط وجودهم ومصيرهم مع وجود النظام ومصيره ، وكذلك فإن هؤلاء الأشخاص يعرفون تماماً ، أن النظام ورغم إدعائه وتبجحه بالإصلاح والديمقراطية والتعددية والتغيير… ، لم يخرج أبداً من عباءته القديمة وتسلطه المطلق ، ولا يزال يتصرف ويتعامل كما كان يتصرف ويتعامل قبل تاريخ الخامس عشر من أذار 2011 وبالتالي فأن الانتخابات التي يجريها ، لا تخرج عن كونها انتخابات صورية تماماً ولا تتعدى عن كونها مجرد ديكور وعملية شكلية لتجميل وجهه البشع.
  أن الشعب السوري ، وبإعلانه لثورته المباركة ، مصمم على المضي في نضاله المشروع حتى تحقيق كامل أهدافه في الحرية والكرامة… وإسقاط النظام ، وبناء دولة ديمقراطية تعددية برلمانية… ، تصان فيها حقوق جميع القوميات والأديان والطوائف المتعايشة تاريخيا في البلاد ، وفق ما نصت عليه المواثيق والقوانين الدولية ومبادىء حقوق الإنسان ، وأن جميع محاولات النظام وأساليبه ووسائله… ، للتشبث بالسلطة وإرجاع عقارب الساعة للوراء ، بما في ذلك اللجوء إلى إجراء ما يسمى ( بالانتخابات ) ، لن تؤدي إلا إلى نتيجة واحدة ، وهي الانهيار والسقوط المحتوم ، وانتصار إرادة الشعب السوري الثائر في الحرية والعدالة والمساواة والعيش بكرامة وسلام وآمان.
* المحامي مصطفى أوسو ، سكرتير حزب آزادي الكردي في سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

طه عيسى بوزان   جميعنا يطالب السلطة المؤقتة في دمشق بأن تفعل هذا أو ذاك، وجميعنا يستغرب من سلوكياتها التي لا توحي بسلوكيات دولة، رغم أنها بأمسّ الحاجة إلى الدعم الشعبي والتفاف جميع المكوّنات السورية حولها. ولعلّ كل واحدٍ منا يقول في نفسه: لو كنتُ أنا، أو لو كنّا نحن، في مكانهم، لعقدنا مؤتمرًا وطنيًا جامعًا لكل المكوّنات السورية، تخرج…

أكد الرئيس مسعود بارزاني، في رسالة صدرت يوم 12 كانون الثاني 2026، رفضه القاطع للحملات الإعلامية والتحريضية التي استهدفت المواطنين العرب السوريين المقيمين في إقليم كوردستان، على خلفية الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة حلب. وشدد بارزاني على أن هذه التصرفات لا تنسجم مع قيم ومبادئ شعب كوردستان، داعيا إلى احترام اللاجئين ووضع حد لمثل هذه السلوكيات غير المشروعة. وفيما يلي…

اللقاء الاستثنائي للجان تنسيق ” بزاف “ عقدت لجان تنسيق حراك ” بزاف ” لقاء استثنائيا افتراضيا عبر تقنية الزوم حول احداث الشيخ مقصود ، والاشرفية في حلب ، وتوصلت الى التالي : امام ماجرى في حلب لسنا الان بوارد تحديد المسؤوليات ، ولسنا مخولون بتجريم هذا الطرف او ذاك ، فعلى الصعيد الكردي حركتنا السياسية مأزومة ومفككة ، وتحتاج…

ماهين شيخاني في أحياء حلب الشرقية،حيث الأشرفية والشيخ مقصود، كُتب ملحمة صمود بإحدى اللغات الأكثر قدماً في المنطقة، وأكثرها تعرضاً للإنكار. إنها معركة وجودية يعيشها الكورد، لا على الجبهات فحسب، بل تحت الأنقاض، وفي عيون الأطفال الذين لم يعد يعرفون معنى للسماء إلا دخان القذائف. سؤال المفارقة: لماذا هذا الصمت المختلف..؟. هنا،يفرض نفسه سؤال لا يمكن لأي ضمير حي تجاهله:…