لماذا لمْ ترَ النخبة المثقفة الكردية مكانها في المجلس الوطني الكردي?

د.

كسرى حرسان

من أجل طرح هذا الموضوع أقترح التساؤل التالي:
هل المجلس الوطني الكردي حقيقة أم خيال، أبُني على أساس آيديولوجي صحيح؛ أم أسسَ بنيانه شكلياً على رمال هارية تلبية لمتطلبات ظروف قسرية احتذاءً بالمجلس الوطني السوري.
أعتقد جازماً أن هذا المجلس ليس في مستوى الأحداث والتحديات، وأوضح دليل على هذه البيِّنة كونه لزم جانب الضعف والفتور السلبي الذي يُقرأ في سفر التاريخ تحت عنوان التخاذل والتواطؤ.
التخيير فرض نفسه منذ البداية، وبحكم التجربة التي لم تترك مجالاً للشك والارتياب ولا موطئاً للتردد أو الحيرة، فالإصلاح الذي حصل لم يكن إلا من صنع الثورة – الثورة السورية المتوقدة – فهل كان هذا المجلس مع الثورة أم ضدها، إنه لم يقف موقف الحياد الإيجابي أي تأييد الثورة ولو معنوياً، بل فعل العكس، فقد خذلها ووقف منها موقفاً رجعياً لا يليق بسمعة شعب عانى الظلم والاضطهاد.
أعود فأذكر بأن كل ما تحقق للكرد من منجزات لم يكن سوى نتائج الثورة وثمارها التي تم جنيها على أرض الواقع.
فكيف التأميل وأين التعويل على نظام يدَّعي التصحيح والإصلاح منذ أربعين عاماً ولا يُري غير الهباء والهُراء اللذين لم يغنيا فتيلاً.
كيف نغالط أنفسنا ونزعم أننا لسنا على خطأ، بأي حق نتخوف من الثورة التي ناولتنا الجنى والطيبات، وبأي عذر نعلق الآمال على من ضيق الخناق على أعناقنا وأنفاسنا وعرَّفنا الشوفينية والعنصرية شرَّ تعريف.
هل انتقلنا من حالنا ناقمين ساخطين إلى واقع التنعم والرضا بهذه السهولة، هل تحول العدو إلى صديق بين عشية وضحاها، لا يمكننا إلا أن نرى الحق حقاً والباطل باطلاً، وهذا ليس بالأمر العسير على عواطفنا لأنه يوافق عقولنا.
إذا أبت ألبابنا أن نكون أحراراً فنحن جبناء بالضرورة، وإذا هانت علينا عزتنا فما أتفه شأننا.
علينا أن نقرَّ – شئنا أم أبينا – بفضل الثورة علينا، وأما ما سوى ذلك فحجج واهية، فالمتنكر للثورة وأهلها منكر للجميل أعوج المنطق متعسف المنهج لا يُعتدّ برأيه ولا يجوز أن يُتبع، لأنه استمرأ الملذات واستحب طريق الغِواية.
والذي يعرف الحقيقة ثم يعدل عنها لا شك أنه يتجنب معايشتها بسبب عجزه عن مشاق النضال وشياكة دربه، فهو لم يسلك هذا المسلك إلا لكسب المغانم الرخيصة وإلا ابتغاء الاصطياد السهل، فهو ليس من النضال والكفاح في مكان بتاتاً، لأن السياسي يتميز ببعد النظر على أقل تقدير.
ولعل النخبة المثقفة الكردية أدركت هذا الأمر واستوعبت هذه الحقائق، فلم تنزل إلى هذا الدرك المنحط والوضيع، فوجود هؤلاء المثقفين لو حصل في المجلس الوطني الكردي لكان وجوداً تبَعياً للملأ أصحاب المراكز فيه، ولذلك تحاشت الانخراط في صفوف هذا المجلس الذي يسيء إلى ثقافتهم ووعيهم كلَّ الإساءة، لأن العلم والجهل الغبي لا يجتمعان ولا يتفقان، الأمر الذي يستدعي تلاشيهم وانتفاء حضورهم والقضاء على دورهم، ومن أجل ذلك كذلك لم تضف صفة الشرعية على المجلس المذكور، وهذه ميزة إيجابية تسجل لمصلحة الشعب الكردي الخام الذي لم ينتخب المجلس ولكنه أوجد نفسه بنفسه دون تخويل.
وأخيراً فإن الغاية هي المبتغى والسياسة بحر واسع ليس في الوسع الإحاطة بأبعاده، ولا يمكن السياسة الضيقة والمحدودة أن تجرَّ المنافع لأصحابها، فالعالم كلٌّ لا يتجزأ، ولا يجوز لنا أن نهيم في وادٍ بينما تسطع شمس الحقيقة على سائر بقاع المعمورة، فإن هذا شيء سخيف يستخف عقولنا ويسيء إلى مكانتنا.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا منذ سنوات طويلة، وأنا أكتب على صفحات موقع «ولاتي مه» Welatê Me، وأزرع فيه شيئاً من روحي: شعراً، وحواراً ثقافياً، وقراءات انطباعية متواضعة. لم يكن «ولاتي مه» بالنسبة إليّ مجرد موقع إلكتروني عابر، بل كان، وما يزال، بيتاً ثقافياً وفكرياً وسياسياً جامعاً، يحمل رؤية واضحة، ورسالة نبيلة، وخطاً هادفاً يحترم عقل القارئ…

مهند محمود شوقي الوطن ليس حدوداً مرسومة على الخريطة فقط، ولا هو حكومة تتغير، أو حزب يصل إلى السلطة ثم يغادرها. الوطن أوسع من ذلك كله. هو المكان الذي يفترض أن يشعر فيه الإنسان بأنه ينتمي، وأن حقوقه مصانة، وأن هويته ليست سبباً للانتقاص من مواطنته. لكن في العراق، بعد عام 2003، ظهر سؤال مختلف: هل تغير مفهوم الوطن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ وربما كانت الجامعات هي النفط الحقيقي إيران الحالية ليست مجتمعًا عديم التعليم. على العكس، تمتلك قاعدة علمية وتعليمية مهمة، وهذا بالذات ما يجعل الفارق المحتمل أكثر إيلامًا. حرية الأكاديميا والتعبير ما تزال مقيدة؛ وقد وثقت تقارير 2026 فصل أساتذة وتقييد الطلاب والرقابة على الصحافة والإنترنت. وتحصل إيران…

سيروان حجي بركو سلطة قسد كانت سلطة أمر واقع، وُلدت في زمن الحرب وغياب الدولة، من دون أن يُسأل الناس عن شكل الحكم الذي يريدونه. واليوم تنتهي أيضاً كأمر واقع، من دون أن يُسأل الناس عن شكل اليوم التالي. لكن الإنصاف يقتضي ألا نختصر أكثر من عشر سنوات بكلمتين: نجاح أو فشل. لقسد ما لها وعليها ما عليها. لها أنها…