واقعة دفن حزبيٍّ كردي لا على التعيين

 إبراهيم محمود

 ثلاث وقائع في واقعة واحدة تتمثل في دفن حزبي كردي لا على التعيين، وسط حشد من الجماهير المعدَّة إضافة إلى الجماهير المأخوذة بغريزة القطيع لهذا الغرض، حيثما جرى دفنٌ هكذا، لأن الكليشية تكاد تكون واحدة: واقعة تتجلى في تلقين رجل الدين، وواقعة تتجلى في طريقة التأبين، وواقعة روح المتوفى الهادرة، ولكل منها ما يقصيها عن الأُخريين: ما يُسمَع من رجل الدين، وما يتردد عبر التأبين، وما يهدر من قبل روح المتوفَّى حديثاً: ما يعيده الملقّن على كل ميْت “ذكر كامل”، حيث يظهر أن الأحزاب الكردية لا تعرف سوى الذكور، وأن ليس سوى الذكور من يموتون ويجري التلقين على قبورهم وتأبينهم في الغالب الأعم، التلقين هو نفسه، بدءاً بـ”يا عبدالله بن أمَة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه، ومروراً، بـ: الإسلام ديني، والكعبة قبلتي… والمؤمنين إخوتي، والمؤمنات أخواتي..

إلى نهاية التلقين..،
 هو خلاف ما يتردد على لسان عريف التأبين، والكلمات التي تقال في طراديتها وتقابلها بغيرها في مناسبات مشابهة، من قبل الذين تنافسوا في بينهم: خطابيين مختارين، وشعراء نظَّامين مناسباتيين فقط، وحملة شعارات وصور معدَّة مسبقاً، وذلك في واقعة من نوع: كان المرحوم مناضلاً محافظاً على العهد الوحيد الأوحد في أن يظل نموذج الحزبي الكردي الذي لا نظير له، ولا يعرف سوى من العهود سوى هذا العهد.

كان مضرب المثل لرفاقه الحزبيين، مرفوع الرأس، حرَّاً ابن حرٍّ، لم يعرف الخضوع لأحد، صلباً كان، ومتفانياً في خدمة قضية شعبه الكردي، محل تقدير من قبل رفاقه الحزبيين، ذا سمعة حسنة في مجتمعه، وخسر الحزب برحيله مناضلاً عقائدياً مقداماً، شهماً، وكل كلمة تبزُّ الأخرى من باب المنافسة التاريخية والمنتظرة ونيل رضا المعنيين بالمتوفى، واعتبار صاحبها نجماً تأبينياً بامتياز! لكن الواقعة الثالثة، كانت الأكثر حضوراً، وكذلك الأكثر جدارة بالتسجيل، وهي تتجلى في الروح التي فارقت جسده، وهي تضطرب وتتوجع، بقدر ما ينضغط عليها، وهي بين الواقعتين الأوليتين، وهي تناوشهما معاً: ما كان المتوفى متعهّد مبدأ ثابت في حياته كما علَّموه، وما كان يعرِف في الله عبداً من عباده، كما تقولون، لقد كان مؤمناً دون إيمان، دنيوياً دون أن يتمثل الشروط الدنيوية كغيره، يغرَّر به على مذبح شهوات الآخرين كثيراً، بنيَّة طيبة دون أن يكون طيّباً مع بني جلدته شأن سواه من المحيطين به في لغات أخرى، ينصاع لإملاءات كما هي توجيهات الأعلى منه في قيادته، ولا كان بعقائديٍّ من النوع الذي تصفون، ولا كان بمتخذ من المؤمنين إخوة والمؤمنات أخوات، لأن إيمانه كان مركَّزاً على ما يضعه في الواجهة، وحيث لم أعهد فيه- أيضاً- ديناً، ولا عقيدة فعلية، ولا قسَماً يمكن تحديده في نوع إيمانه من خلاله، أو اتجاهاً حقيقياًَ للكشف عن موقعه.

ولكم كان ينتهز الفرص للنيل من أقرب رفيق له، ويراقب تحركاته لصالح الأعلى مرتبة منه والمكلَّف من قبَله، ولا يمنحني “أنا الروح” فرصة التقاط الأنفاس، وهو يتنقل بين مكلّفه المسئول عنه، وبقية رفاقه الذين يتَّصل بهم .

وتستمر الروح في شكواها الهادرة: لكم دعوت الله وتوسَّلْته في أن يحررني من هلوسات جسده، وأن يخرجني من إطاره ليل نهار، لأنني لم أهنأ لحظة واحدة، وهي يتحول كل لحظة، دون أن يحدد اتجاهاً له.

لكَم ضاق بي جسم هذا المتوفى، وشعرت بالاختناق، لأنه كان شديد التلون، فكنت أعاني من كوابيسه الليلية، وتقلباته النهارية بقدر ما كنت أُثقَل برغباته الكثيرة وهي أن يزيح أياً كان من طريقه، ليكون هو الآمر الناهي.

كان كثير الكلام قليل التفكير اندفاعياً، محدود التماسك النفسي، متردّداً، متوعداً ومهدداً من يخالفه أو يسعى إلى تلويث سمعته كلما شعر بضآلة حجمه أمامه، لا يرى في المختلف سوى القدح، وفي التابع له نموذج العقلاني كثيراً، يتغلب فيه وهْمه على سوية التفكير (كيف يكون التفكير وهو ينوء تحت شعارات وهتافات متراكمة؟)، تميّزه المجاملات في أكثر المواقف مصيرية، هروبي إزاءها، يحب السجال كثيراً ويصدر أحكاماً قطعية، ويطعن في كل من هو خارج دائرته الحزبية، ويشك في الذين يعيشون استقلاليتهم رغم توادده الاستعراضي إليهم.

اليوم، واللحظة، أشعر أنني روح حقيقية استعادت عافيتها، وسأعْلِم كل الأرواح التي سألتقيها بما لاقيته من عذابات هذا الكردي، وسوف أشهد عليه يوم الدين، كيف كان يعذبني بتناقضاته، وسأكون خصيمه ما حييتُ!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…