دعوة الكورد الى اللامركزية السياسية وماذا عن المركزيات الاخرى؟

عبدالقادر مصطفى

اللامركزية في شرحها الاولي في الفهم السياسي والقانوني تعني تنظيم اداري من حيث الجغرافيا والوظيفية السياسية في اطارعقد تشاركي اتحادي مع الآخرين في الوطن الواحد.

بدأنا نحن الكورد نعي مخاطر المركزية السياسية عن قرب, وصرنا نستوعب مدى المعاناة التي كبدتنا خلال هذه السنين الطويلة من مآس ونكد, وبتنا نسيرفي السبيل القويم في خياراتنا السياسية نحو الانعتاق من وصايا الآخرين, والتدخل في تسيير شؤوننا الجغرافية والادارية, حيث قاومنا العثمانيين والاستعماريين والانتدابيين ورفضنا مركزياتهم وتوصياتهم السافرة في فترة من فترات التاريخ, حيث ادعينا باننا تخلصنا نهائيا والى الابد من مركزية الخارج, ولكننا وبكل اسف كبلتنا اغلال الداخل ومركزيته المقيتة.
الثورة السورية بالاضافة ما تحمل من صفات خاصة بها, وملامح لا تشبه الا نفسها, حيث انطلقت منذ بداياتها الاولى بامتدادها الافقي في الانتشار والتوسع,وانها لم تندلع نتيجة اشارة من قائد ملهم او قائد حزبي فذ, تتم توجهها كيفما يشاء, بل كانت في الاساس ثورة لا مركزية بامتياز, تعبر عن طموحات كافة المكونات السورية, وكذالك صوت الشعب السوري الواحد, كانت هذه الثورة خارجة عن تغطية الاحزاب والاطر القديمة, وتجاوزت المعارضات التقليدية بكامل اوصافها المتهالكة, واتسمت بالمصداقية التامة, لانها غير مصنعة في الاروقة السرية وفي قوالب جاهزة تحمل اجندات غير مقدسة, فلو كانت كذالك لما كان لها هذا المد والانتشار في المجتمع وعلى طول الوطن السوري, اذا, لا مركزية الثورة وقوتها وتجذرها تعودان بالاساس الى عدم وجود قيادة مركزية في تسيير شؤون الثورة وذالك طبقا لامزجتها وتقاطعاتها الحزبوية او الشخصية مع الثورة المضادة, وهنا تكمن عظمتها في حرية نسج قراراتها الميدانية اليومية على الارض, وكأن كل فرد من افراد هذه الثورة هو قائد هذه الثورة.
في المجتمع الكوردي ثمة مركزيات عديدة تفتك احكامها بالفرد الكوردي وتنتهك فضاءاته الفكرية الحرة وتكبله باغلالها القامعة لتضع حدا لتطلعاته نحو غد افضل, وبقي اسير مفاهيم مركزية صارمة تحط من قيمه الانسانية وتبقيه على ما هو ضمن هذه المركزيات الحاكمة, من عائلية, عشائرية, مناطقية, وتنظيمات حزبية محكمة المنافذ, هؤلاء الناس من معشر هذه المركزيات, يتقاسمون نفس المواصفات التي تتصف بها العقل التصنيفي او التكميمي المميت, تراهم موحدين ومتحدين في سلوكياتهم اليومية وحتى في ابتساماتهم, يكفيهم ان يفكر واحد من نخبهم فقط ولا داعي لبقية العقول الاخرى بالجهد الفكري, جميعهم في انتظار اشارة من (المايسترو) للعزف الجماعي ذات الانتماء القبلي العشائري الحزبوي, واية محاولة او خروج من هذه الطاعة سيكون مصيره الاقصاء والابعاد واللعنة.
  ولكن رياح الثورة وعواصفها العاتية باتجاه الجميع, قد دفعت بالانسان الكوردي في (غربي كوردستان) القيام ببعض العصيانات المدنية والتمردات في المجال السياسي القومي والوطني على حد سواء, في المسألة الاولى, بادر الى رفع سقفه المطلبي القومي الى اعلى درجاته منذ الشعار الاول عقب تأسيس “البارتي” عام 1957 في التحرير والتوحيد, وفي المسألة الثانية, حيث نبه الكورد, مجموع السوريين الى ثمة وجود انكسارات في الحائط الوطني السوري, وعلاقات لا وطنية تحدث في الوطن الواحد, واستطاع الكوردي وبفطرته الذكية ان يضع اصبعه على الجرح ويعلن للملأ ان ثورتنا هي ثورة لامركزية, تحررية, تشاركية, اتحادية, لا محل لها  للمركزيات المقيتة والعقلية ذات البعد الواحد والشكل الواحد واللون الواحد والسبب الواحد.
اللامركزية السياسية الكوردية قد تدخل مجددا في حال تمركزها في دوامة المركزيات الداخلية التي تعصف المجتمع الكوردي من كافة الجهات, قد تصطدم بمركزياتنا الابوية البطرياركية مرورا بمرجعياتنا الحزبية العتيدة والروحية وما غير ذالك من هذه الارواح الشريرة, اعتقد, اللامركزية السياسية تحتاج الى مجتمع لا مركزي, متفتح, مدني, قادر على الحوار والتواصل بينه اولا, وبين الآخرين ثانيا, وفي هذه الحالة علينا التحقيق في الامر وان لا نغض الطرف عن التابوهات المتجذرة في اعماقنا, وان نعمل جاهدين في تحطيم كل الحواجز المنصوبة امام لا مركزيتنا الموعودة, وان نبادر في تجفيف كل المنابع التي ترفد شرايين المركزية النتنة من الفه الى يائه, ولكي يكون الدرب سالكا لمسيرة اللامركزية وتدخل الى كل بيت كوردي من دون استئذان.
mustafa5@live.se

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…