الشعوب الكردية

 إبراهيم محمود

هذا العنوان استفزازي كما يظهر، ولكن لماذا الاستفزاز، إذا كان المعنيون بشئون” أكرادهم” وباعتبارهم، وكما يتعاملون معهم، جماعات ٍوطوائف وحتى تجمعات، في الشارع، وفي أذهانهم التي تأخذ من عبَر التاريخ الأسوأ والأكثر فساداً؟ لماذا نجد في تصريحات هؤلاء “الأُلى” وهم يعتبرون أنفسهم رموز أكرادهم، ما يشير إلى هذه الحقيقة المرة؟ أعني أن التاريخ لم يشهد، ولا في حقبة منه، ما يشير إلى هذا ” الشعب الكردي” الذي يحرَص عليه، وفي أي جهة يمكن التذكير بها، رغم تسليمي بمقولته، ولكن الوقائع ومن يحرّكها، ومن يرسم أهدافه الذاتية في ضوء قزامة شخصيته الاعتبارية، وقائع حية، تشير إلى أن هناك شعوباً كردية، وأمماً كردية، وامبراطوريات كردية، لأن هناك أباطرة أكراداً، وقياصرة أكراداً، وأمراءَ مؤمنين أكراداً وأحاديث مسندَة إليهم، ورجالاً ثقاتاً من خلفهم وأمامهم، يعتبرونهم مجرَّدين من الأهواء..
لنتوقف عند وقائع التاريخ، وليس ترَّهات اللاعبين المزيفين فيه ومن يزيَّفون، ممن أرادوا، ولا زالوا يريدون مصادرة التاريخ الكردي، واللسان الكردي، والقومية الكردية، والشعب الكردي، وتطلعات الشعب الكردي، وحتى إقلاق راحة ضحاياه في أماكن راحتهم الأبدية وهم شهداؤه….الخ، ويقيس كلٌّ منهم ذلك على مقاسه، كما هي العيّنات الكبرى مما يتحفنا بها الواقع الكردي” غير المشرّف” للكردي المنتمي إلى عالم/ دنيا “الشعب الكردي” و” وحدة الصف الكردي “..

نعم، يمكن نبش ذاكرات هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم في لحظة فالتة من التاريخ على بني جلدتهم وناصبوهم العداء الفعلي في آمالهم، وأفصحوا بقدر ما بثَّوا إعلاناتهم على أن الكردية حيث يتحدثون ويقيّمون ويحللون ويصنّفون ويصوّبون أو يخطّئون هم، لنجد طبقات منضَّدة تشكو تسوساً في الداخل، لنجد التاريخ، وفي التاريخ تكون السياسة الذاتية، وفي السياسة الذاتية تكون الصورة الملوَّنة الفاقعة في الواجهة، وداخل الصورة تغيب الملامح الشخصية المعتبرة لمن يقدَّم نفسه كاريزمياً في السياسة الممثَّل فيها، جرَّاء التطاحن بين الرموز: القياصرة، والثقافة البائسة، جرَّاء غياب الرؤية الفكرية المرتبطة بمعرفة لازمة على مقاس القضية الجليلة، والتاريخ الأكثر بؤساً، لغياب الأدوات العائدة إلى تنوع القراءات، والاجتماع المشرذَم، لانتفاء الذهنية العصرية والمعنية بتتبع ما يفيد وينوّر هذا المسار الذي يهتم به..

ليس هؤلاء الناصبو أنفسهم رموزاً ومرجعيات وممثلي تكايا تحزبية، على أكرادهم، من قيّض لهم في أن يُسمّوا من حولهم باعتبارهم أطرافاً، أو وجوهاً لمفهوم أسيءَ تقديره، كما هو تدبيره، أعني: الشعب الكردي.

إن الذين تمت تسميتهم من قبلهم، وكما هو تعاملهم معهم، والتعامل المخطَّط لهم بين هؤلاء الجاري تقسيمهم، هم الذين يسمّون ما يجري، فتكون لدينا هذه الشعوب الكردية، كما لو أن الأحزاب: الحراب الكردية، وهي ماضية إلى الأمام دون إمام واحد، كما لو أنها، مصمّمة على تأكيد هذه الشعوب، وذلك بإضفاء سمة الكردايتي على جماعتها، ولكل جماعة شمّاعتها، في تبرير مسلكياتها، ولكل شمّاعة ولاعة تحرق ما عداها، ومجاعة مستديمة تخص وعي النسب أو الانتماء، وإشاعة لجعل الخطأ صواباً، رغم أنف قيصر أو امبراطور الحزب الآخر، لتكون الكردايتية جَملاً يمرَّر من خرم إبرة هذا الحزب أو الآخر.

كل جماعة في مقام شعب، وكل معني في مقام الزعيم المعلّى، وكل منتسب مشروع جهادي في الداخل، حامل بطاقة شرف الانتساب إلى الحزب، رغم كل ضروب التخاصمات القائمة في الداخل وفي الخارج، وكل رفيق حزبي شهيد مستقبلي، ومشروع استثماري رخيص، لتقوية سمعة الحزب دعائياً، وفتح مجالس عزاء، وإلقاء خطب، ونشر صور وحيثيات الجنازة، والاهتمام بأربعينيته في جهات مختلفة من الأرض، ليس لأن الرفيق المغدور أو الشهيد دون تدقيق في المعنى، يستحق ذلك وإنما لأن الزعيم الأتم، ومن يتحلَّق حوله، ومن استأثر بالحزب أرادوا ذلك لتأكيد عظمة الحزب.

 راهناً، ليس هناك ما يشدّد على هذا الحضور الفعلي لمفهوم الشعب الكردي، إنما الشعوب الكردية، والكيانات الكردية، والمذاهب الكردية، والمدن الكردية التي تتنافس لنيل شرف الكردايتي أكثر من غيرها، تعبيراً عن هذا الصراع المتنامي بين الذين دشَّنوا لتاريخ كردي، هو تاريخ زعامات كردية، لا ترعوي عن القيام بأي فعل نيلاً من كل من تسوّل له نفسه توجيه نقد إليها أو ثكنتها الحزبية، إذ مقام للنقد، إنما هو إما أن تكون مادحاً فيُقبَل بك ويثنى عليك، أو تكون قادحاً، فيجري تصنيفك عميلاً أو خائناً، أو مشبوهاً، يتولى أمر بث هذه الصورة المشوهة كل الموعودين بجنة الحزب من الأعلى إلى الأسفل، وبما يشير إلى الحقيقة التي يتهرَّب منها، وهي تكاثر الشعوب الكردية أو توالدها أو تناسخها..

من يمكنه القول بعد ذلك على أن الأكراد، يلخَّصون في شعب واحد، وسط هذا التناثر، قبل تشكيل أي كيان كردي فعلي، وترسيم الحدود بين كيان وآخر، ورفع رايات تميّز كل كيان، وهوية خاصة بأفراده؟ أليس كل ذلك مبعث الفخر، ضداً على كل من يقول بالعكس؟ ربما هكذا يتحرك قياصرتنا الأكراد، ويسهّلون على أعدائهم الكثير من المهام التي تشغلهم!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…