مرةً أُخرى عن الحقائق و الشائعات في الوسط السياسي الكُردي

حسين جلبي

أثار مقالي السابق (عبدالحكيم بشار: الحقيقة و الشائعة) ردود أفعال كثيرة، كان معظمها حاداً جداً و متناقض مع غيره إلى درجة كبيرة في الوقت ذاته، و كان السبب في ذلك ربما لكونه ـ المقال ـ قد جاء بالتزامن مع مقالٍ آخر بعنوان (من أجل إنتفاضة كوردية شاملة)، فبدا و كأني أمهد لهذا الأخير، أو لصاحب المقال في اللهجة التي إعتبرها البعض جديدة و التي صبغت مقاله، أو أبرر ما ذهب إليه فيه، و زاد في حدية الأمر الوجود العاصف للبارتي و سكرتيره خلال الأيام القليلة في الإعلام سواءٌ من حيث التصريحات أو الأحداث أو التعليقات، و كل هذا الأمر بالنسبة لي على الأقل كان من باب الصدفة المحضة.
فقد تلقيت العديد من الرسائل تحمل وجهات نظر مختلفة إحترمها جميعاً عن الموضوع الذي تطرقت إليه، و يمكنني فرز ثلاثة إتجاهات مختلفة من هذه الآراء:
الإتجاه الأول و هو يرى بأني قد بعت نفسي إذ إنقلبت بين ليلة و ضحاها على النقد الذي كنت أُمارسه على كل الجبهات، فإذا بي أتحول إلى شحصٍ أُشبحُ بحمد من يجب أن أُظهر عثراتهم و أخطائهم، كما قيل أيضاً أن المقدمة الطويلة في التمهيد للشخصية التي تناولتها لم تفدني، و هي كانت مجرد إستذكاراً لماضٍ يجب أن ننساه و نحن (أولاد اليوم)، كما كان يجب أن أذكر في التقديم للموضوع السلبيات أيضاً.
أما الثاني فيرى أنني ساهمت في دعم الشائعات المتداولة من خلال الإتيان بذكرها، لا بل إضافة أُخرى لم تكن متداولة، و بذلك ساهم المقال من حيث أدري أو لا أدري في تعميق الإنقسام الحاصل من خلال تسليح أطرافه بأسلحة جديدة من الشائعات، و في خلق عداوات جديدة نحن بغنى عنها، و بعضها أصبحت هدفاً لها.
أما وجهة النظر الثالثة فذهبت إلى أن ما طرحته أمر ضروري، فنحن بحاجة الآن إلى شئ وحيد و هو (الإلتفاف حول قيادة واحدة بما تحمله من عيوب و حسنات)، و بذلك جردت وجهة النظر هذه المقال من الشخصنة، إذ رأى بعض ممن نادى بها أن الأمر سيشبه إلتفاف الشعب السوري حول المجلس الوطني السوري كممثل مؤقت له لحين سقوط النظام و عندها لكل حادثٍ حديث، إذ سيقوم حينها الثوار الموجودين على الأرض و الذين يقودون أعمالها بإختيار ممثليهم الحقيقيين، و يضيف أحد الأخوة بما معناه أننا إذا تهجمنا على كل القيادات الموجودة و لبعضها وجود حقيقي فإننا بذلك نخسرها و نخسر رصيدها أيضاً أو الأقل ما لها من وجودٍ معنوي من جهة، و نبتعد عن الأهداف التي ترفعها رغم أنها الأقرب إلى وجهة نظرنا، كما أننا نمهد الأرضية لطرفٍ آخر بما له من أجندة غريبة و بعيدة عن واقعنا لحصاد نتائج جهود الآخرين من جهةٍ أُخرى.
إن ما ورد في المقال السابق من وقائع كان فقط  بسبب وجود شبه إجماع عليها أو ربما عدم وجود خلاف عليها نهائياً، أما إيراد أقاويل محددة و كذلك ما يعاكسها فكانت الغاية منها الدعوة لضرورة وجود الشفافية في عمل الحركة الكُردية و جميع الناشطين لكي لا نكون ضحايا للشائعات تأخذنا إلى حيث لا نريد، و نقوم بتضييع الكثير من الوقت و الجهد اللذان ينبغي توفيرهما في أمور أكثر فائدة.
إن في حياة الكثير ممن يتحركون اليوم على مسرح الحياة السياسية الكُردية الكثير من الصفحات المشرقة، كما قد يكون فيها الكثير من الصفحات السوداء، و الفيصل للحكم عليهم هو ما يقومون به اليوم تجاه الثورة السورية، و خاصةً منذ إنطلاقتها.
أن معظم العاملين في قيادة الحقل السياسي مسؤولين بشكل مباشر أو غير مباشر عن كل الأحاديث الجانبية التي نتناولها في جلسات السمر و غرف البالتاك و مواقع النت و كذلك في كل التجمعات التي تضمنا، و ذلك بسبب نظرتهم الفوقية إلينا، و إفتقادهم للشفافية في أعمالهم، و لذلك فجميعنا كتاباً و قراء غير ملومين على تناولهم بالنقد بسبب الغموض الذي يكتنف تحركاتهم، و عليهم لتجنب ذلك كله، النزول من عليائهم، و حل الألغاز التي تلف أعمالهم، لكي يكون النقد، إذا كان له ضرورة عندها، مثمراً و بناءً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مع اقتراب الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تتجه أنظار ملايين الناس في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى عيد عريق يحمل في طياته معاني التجدد والانبعاث. إنه نوروز، العيد الذي يحتفل به العديد من شعوب المنطقة باعتباره بداية الربيع وبداية عام جديد في الذاكرة الثقافية والحضارية. غير أن لهذا العيد معنى أعمق وأكثر خصوصية لدى الشعب الكوردي،…

خالد حسو تشكل المواقف الإيجابية الصادرة من الأفراد والشخصيات العربية وغير العربية، والجهات الرسمية وغير الرسمية تجاه القضية الكوردية والشعب الكوردي مؤشراً أساسياً على إمكانية بناء حوار سياسي مسؤول ومستدام. كل خطوة إيجابية، مهما كانت محدودة، تُسهم في تعزيز التفاؤل وتبث روح الأمل بين جميع المكونات، وترسخ مفهوم الشراكة الوطنية القائمة على العدالة والحقوق المتبادلة. هذه المواقف تعكس إدراكاً مشتركاً…

اكرم حسين في تاريخ الشعوب والثورات، هناك رموز تتجاوز أدوارها السياسية المباشرة لتصبح علامات فارقة في مسار الوعي الجمعي ، ومن بين هذه الرموز، يبرز اسم الشهيد مشعل التمو كحالة إشكالية تتحدى القراءات الاختزالية، وتضعنا أمام ضرورة تفكيك العلاقة بين القومي والوطني، الهوية والمواطنة، المشروع السياسي والعمق الوجودي. استحضار مشعل التمو اليوم يضعنا أمام مسؤولية كبرى ، إما أن…

عبداللطيف محمدأمين موسى في خضم زيادة منحى الصراع وتعدد مساراتها، تبقى وتيرة الصراع العسكري مرشحة للتوجه والاتساع نحو مزيداً من التعقيد، من خلال زيادة التوقعات واحتماليات اتساع الصراع لتشمل بلورة تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لتأمين ممرات مرور الطاقة في مضيق هرمز، وكما تُشير أغلب التوقعات لدى مراكز الدراسات المتعلقة بالأمن القومي في زيادة احتمالات توجه الولايات المتحدة الأمريكية…