سوريا والمبادرة العربية.. هل من آفاق لحل سياسي للأزمة ؟

  افتتاحية آزادي *
يكتبها سكرتير الحزب المحامي مصطفى أوسو

  مع دخول الثورة الشعبية السلمية في سوريا، المطالبة بالحرية والديمقراطية وباحترام الكرامة الإنسانية…، وإنهاء الظلم والاضطهاد والقمع والاستبداد…، شهرها الحادي عشر، واكتسابها زخماً جماهيرياً أكثر وقوة أكبر، تبنت جامعة الدول العربية في اجتماعها الأخير المنعقد في القاهرة في 22 كانون الثاني / يناير 2012 على مستوى مجلس وزراء الخارجية، مبادرة جديدة للخروج من دوامة الأزمة العاصفة التي تمر بها سوريا، والتي تشمل: التنحي السلمي لبشار الأسد والانتقال إلى حكومة وحدة وطنية، تقود البلاد إلى مرحلة سياسية عصرية…
  وتضاف هذه المبادرة إلى المطالب السابقة التي رفعتها الجامعة العربية للنظام السوري، بضرورة وقف كافة أعمال العنف، والإفراج عن المعتقلين واخلاء المدن والأحياء والقرى من المظاهر المسلحة، وفتح المجال أمام منظمات الجامعة العربية المعنية ووسائل الإعلام للتنقل بحرية داخل سوريا للاطلاع على ما يدور فيها من أحداث، وضمان حرية التظاهر السلمي وعدم التعرض  للمتظاهرين…، التي اصطدمت على الدوام بتعنت النظام وإصراره على المضي في خياره الأمني وممارسة كل أشكال القتل والتنكيل والإرهاب… في قمع ثورة الشعب السوري السلمية.

  أن المبادرة العربية الجديدة، ورغم العديد من الملاحظات والتحفظات عليها، والصعوبة الكبيرة في تطبيقها على أرض الواقع في ظل نظام لا يأبه بالاتفاقات والمواثيق ولا يردعه قانون أو شريعة أو عرف، ولا يسمع أو يرى إلا نفسه فقط، ولا يعمل إلا من أجل بقائه وديمومته في السلطة ولو كان بقوة الحديد والنار…، تشكل انتصاراً هاماً للشعب السوري الثائر، الذي أظهر خلال الفترة الماضية، عزماً وتصميماً على المضي في ثورته السلمية حتى تحقيق أهدافها مهما كان الثمن ومهما كانت حجم التضحيات كبيرة…، وأن نجاحها في ظل الظروف الراهنة والواقع الموجود، يتوقف إلى درجة كبيرة على مدى تجسيدها لرغبة هذا الشعب وإرادته في إنهاء النظام الاستبدادي الشمولي الحاكم ببنيته التنظيمية والسياسية والفكرية وتفكيك الدولة الأمنية وبناء دولة ديمقراطية تعددية برلمانية تحترم الحقوق وتصان الحريات الفردية والعامة وتضمن الحقوق المدنية والسياسية والقومية لجميع أطياف ومكونات المجتمع السوري، وكذلك على مدى قدرتها على وقف عمليات القمع والتدمير والقتل وحقن دماء الشعب السوري، والاستمرار في عمليات المراوغة والالتفاف على القرارات المتعلقة بهذا الشأن وإفراغها من محتواها ومضمونها وجوهرها الأساسي، وأيضاً على مدى توفر الضمانات الدولية لتأمين نجاح تطبيقها بطرحها على مجلس الأمن الدولي وإصدار قرار دولي يلزم النظام بالكف عن المضي في الحل الأمني ومواصلة عمليات القمع والقتل والتنكيل والاستخدام المفرط للقوة ضد الشعب السوري،
  وفي الحقيقة فأن هذه المبادرة العربية الجديدة قد تكون الفرصة الأخيرة السانحة أمام النظام السوري لايجاد مخرج وحل سياسي جدي للأزمة المتفاقمة وإخراج البلاد من المأزق الخطير الذي وضعها فيه، نتيجة سياساته وتصرفاته الهوجاء وعدم اعترفه بالواقع وتصويره ثورة الشعب السوري السلمية على أنها مؤامرة خارجية تستهدف نهجه المقاوم؟!!! ورهانه الدائم والمستمر على الحل الأمني، الذي أثبت فشله الذريع في قمع الثورة وإطفاء نار جذوتها، وفي كسر إرادة الشعب السوري التواق إلى الحرية والتغيير الديمقراطي ورحيل النظام…
  وتبقى المعارضة السياسية السورية، بكافة فصائلها وتياراتها وأطرها…، وفي ظل التطورات الخطيرة والمتسارعة التي تمر بها البلاد، مدعوة وأكثر من أي وقت آخر إلى ضرورة العمل بأقصى الجهود وبأسرع ما يمكن من الوقت للملمة وتوحيد صفوفها وإنهاء حالة التشتت والانقسام الحاصل فيما بينها، للتصدي لاستحقاقات المرحلة المقبلة وتحدياتها، وكذلك العمل بدون إبطاء على رسم ملامح خارطة طريق لسوريا المستقبلية، سوريا الديمقراطية التعددية البرلمانية وفق أسس اللامركزية السياسية والاعتراف الدستوري بوجود  القوميات والأقليات القومية المختلفة المتعايشة في البلاد، وبشكل خاص بالشعب الكردي وحقوقه القومية الديمقراطية على أساس احترام حقه في تقرير مصيره بنفسه والتي يتجسد في صيغة الفيدرالية ضمن إطار وحدة البلاد.
العدد (339) شباط 2012

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…