نسيناك سيدي، فعذراً.. إلى روح الراحل محمد نذير مصطفى

حسين جلبي

في غمرة الدم و الإشلاء و الجروح تطل ذكراك أيها الغالي، لم ننساك  و لكننا أُضطررنا مرغمين إلى تأجيل إحياء ذكرى رحيلك، كما ذكرى الكثير من الراحلين بهدوء، رغم ما كان يعتمل في قلوبهم من براكين حزن.
لقد غسلت الدماء كل ذكرياتنا، فحتى إذا أُزيح هذا الكابوس من على صدورنا يوماً، و هو لن يكون بعيداً، فلن يكون فيها للفرح مكان، فالثمن كان فادحاً، تعجز القلوب عن إدراكه.
لا أحتاج إلى كثير تفكير لمعرفة مكانك لو لم تترجل باكراً، و أكاد أشعر بكلماتك الواثقة، كما كانت دائماً و أنت تلملم بها أشلاء قلوبنا المبعثرة التي عجزت كل الأطر عن صهرها، و كل التضحيات عن تطهيرها، و كل الكلمات ربطها.
في كردستان كانت السعلة الأولى، كانت إشارة أكتشفت بها ذلك الوحش الذي تسلل إلى جسدك، حملته معك، و لكنه أبى إلا أن يهده، كما يهد الوحش الأسدي اليوم جسد سوريا و يأبى أن يغادره إلا و قد نال منه، فهو يحيى على دماء السوريين و لا يرتوي منها، و في اللحظة التي سيتوقف فيها عن الشرب، ستجف شرايينه و يتفتت.
في ذات المكان الذي قضيت فيه ردحاً من الزمن، حيث وحشة الزنزانة، و رفقة قضبانها، يتوافد اليوم شباب سوريا، لكنهم يخرجون منها، بأرواحهم الصلبة، كروحك حينذاك، و بقايا أجساد تعطي الأمثولة، كما أعطيت أنت، للإستمرار حتى هزيمة الجلاد.
كنت أرقبك أحياناً و إستغرب إقبالك على الحياة، رغم كل الظلم الذي عانيته، كنت ترافع من أجل غيرك من أجل أبسط الحقوق، و كنت ترافع عن الأمة من أجل بقاءها، و لكنك كنت تربأ بنفسك النزول إلى الصغائر، و إعتبار نفسك قضية قابلة للتداول.
لكن إستغرابي كان يزول عندما تعلمت منك ما الذي تعنيه قوة الإرادة، و الصبر، و المقاومة، بالتالي البناء على هذه المفاهيم من أجل إستمرار الحياة، حتى يحين موعد البناء.
لم أنسى أبداً لحظات الفرح القليلة في حياتك، فهموم الأمة لم تترك للفرح مكاناً، و لكنك كنت تهزأ بالصعاب، حتى ذلك الوحش الذي غزا صدرك، كنت تخاطبه مستهزأً، تجعلنا نضحك عليه، كما تستهزأ عامودا و حمص و كل سوريا بوحشها و تجعلنا رغم الألم نسخر منه و نضحك، قبل أن نصحو على أجساد جديدة يلتهمها، و أرواح جديدة يزهقها.
أحاول و أنا الذي أعيش في أوربا منذ عقدٍ و نيف أن أكتشف بعض الرقي الذي كنت تتعامل به و أنت في القامشلي مع عائلتك، أصدقائك، و كل من إلتقى بك، و لكن عبثاً.

إن كل ما أعايشه هنا هو بعضٌ من حديثك، و كأنك كنت ترى المستقبل و كيف يجب أن تكون الحياة.
و أذكر عندما رزقت بحفيدة كم كانت فرحتك عظيمة، كنت تقول أن الله قد عوضك عن الأبنة، و سارعت إلى تسميتها، أسمٌ كان جزءاً من بكردستان، عشباً ينمو على جبالها، و كان كل حديثك عنها، ماذا تفعل يومً بعد آخر، و كنا نغبطها ـ و ربما كان يفعل أبناءك أيضاً ـ على محبتك.
كنت أخطط لزيارتك عندما أعود، أتخيل الخطوات التي ستقودني إليك، أحاول أن لا أتعثر، أنحني لأضع باقة من الورود إلى جانبك، و لكن الطريق إليك أستاذي ملئه الطاغية بالجثث، أصبح طويلاً جداً، كما لم تعد البلاد تنبت الأزهار، و ما كان منها لم يعد يكفي الشهداء.
ةقبل في هذه الذكرى الثالثة لرحيلك، تحياتي، و إسمح لي بشرف الإنحناء أمام ذكراك.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…