ملحمة التكوين السورية!

جهاد أسعد محمد

“إهداء إلى “حمص العدية” وشقيقاتها بمناسبة دخول الحركة الشعبية شهرها العاشر”

… ويستمر الحمل..

تسعة شهور مضت من دون أن تظهر أية مؤشرات نهائية على دنوّ موعد المخاض العظيم..

فهذا حمل عزيز، لا يحدث إلا مرة واحدة كل نصف قرن على الأقل!! أكثر من مائتين وسبعين يوماً، كل يوم أقسى وأطول من سابقه على الأم المشبعة بالخصوبة وحراسها العزّل الطيبين، وما يزال المولود المنتظر يعوم داخل محيط كيس الرحم بصبر يبدو لا نهائياً، منتظراً اكتمال نمو رأسه وقلبه ورئتيه وأطرافه ولسانه الطليق وبصيرته النافذة..
نقف – نحن حراس البطن- سوراً بشرياً حول أمه المتعبة..

نحمي الجسد الممتد على دائرتي العرض 32- 37، وخطي الطول 35-42 بكل ما أوتينا من إيمان بالحرية والكرامة والعدالة والغد البهي..

نقدم كل يوم ثلاثين قرباناً من خيرة شبابنا وبناتنا وأطفالنا للغول الذي يحاول أن يبقر البطن الحاضن ليلتهم الجنين، وللطبيب المخادع الذي ما انفك يسعى لإجراء عملية الإجهاض اللئيمة بزعم حلول أجل الولادة!.
نحو أربعين أسبوعاً لم يتوقف الغول خلالها لحظة واحدة عن شن هجماته المنظمة..

بدأ من جهة الجنوب التي احتضنت لحظة “النطفة”، غرس مخالبه في الماء والهواء والضوء والتراب..

أحال الخضرة إلى سواد، والنهار إلى ليل، والعمار إلى خراب… وساق النساء والأطفال والرجال مواكب متتالية إلى الموت والأسر، ولم يستطع أن يمنع النطفة من أن تصير علقة..
ثم سيّر حملته من جهة الغرب..

فارتدى اللغة الماكرة، وراح يفتك وينكّل ويشرب الدماء ويثير النزعات البدائية، موهماً الناس أنه خروف وديع تحاصره الذئاب، فأقنع البعض، وأجفل البعض، لكنه لم ينجح في أن يخنق العلقة قبل أن تصير مضغة..
ثم يمم وجهه الكالح جهة الشمال، فحاصر وضيّق وأباد وهجّر، وأطلق وحوشه الكاسرة تنهش القلوب والصدور، وتطفئ العيون الحالمة، وتزرع الشوك بين الإخوة، بيد أنه لم يفلح في منع النطفة من أن تستحيل عظاماً..
بعدها، ركب الغبار المخادع من جهة الشرق، فعج وزوبع، وعاث وروّع، وأشعل الواحات، وأتلف المحاصيل، وطارد النسائم النقية، وقدّم الرشى، لكنه فشل في منع العظام القوية من أن تكتسي لحماً..
قبلها وبعدها وأثناءها وخلالها..

وحتى الآن..

كان وما يزال يحاول أن يحتل قلب الانبعاث الجديد ومركزه وروحه الخصيبة ومُنبَجس شرايينه وأوردته القانية..

يطلق سعيره الأهوج نحوه كل ثانية..

يضيّق الخناق..

يشد..

يشد..

يحفر خنادق الحصار..

يحرق كل شيء..

يدمّر كل شيء..

يستحضر كل ألاعيبه وأسلحته وذرائعه الدنيئة..

يوشك على الجنون واليأس..

يصبح أكثر استشراساً وفتكاً، فالجنين يوشك على الاكتمال..

الجنين الذي سينقض عليه ويجعله نسياً منسياً كما تقول أغنية الأرض والشمس وملحمة الذاكرة..

يلتف..

يناور..

ولكن عبثاً، فالأشجار تفضحه كيفما تحرك..

والحجارة..

والتراب..

والدروب العتيقة..

والريح..

وحتى السماء لم تعد منحازة إليه كما ظل يحسب ردحاً طويلاً من القهر والبطش..

تخونه أذرعه وأطرافه..

يخونه قلبه..

تخونه مخالبه وهو يسمع أغاني الحياة تنبعث من بين الركام..

ينفض عنه من كان يراهم عبيده الطيّعين..

والجنين ينمو وينمو… وموعد الخلق العظيم قاب نبضة وأخرى أو أدنى..
على هذه الأرض الطيبة، الأرض التي أنجبت بعل وعشتار وأورنينا والخضر الأخضر الحي، يصر الناس دائماً على المضي جهة الشمس بصدور مشرعة للريح، وأفئدة شاخصة نحو الأفق المفتوح للغيم المشبع بالمطر..

على هذه الأرض التي ما تزال نساؤها قادرة أن تلد في الحقول، موقنات أن مواليدهن العظماء الذين ينطقون وهم في المهد، سيستمرون في الحضور المقدس مهما كانت ظروف الولادة، كيف لطغاة عابرين أن يتوهموا أن بإمكانهم إيقاف سيرورة الحياة؟
السلام عليك أيتها الانتفاضة الشعبية الجامحة..

السلام عليك يوم وُلدتِ..

ويوم تنتصرين..

ويوم تعيدين خلقنا من جديد أطهاراً أحراراً..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…