ما لم يقله إسماعيل عبدي في بيان استقالته من اللجان

حسين جلبي

طرح الأخ إسماعيل عبدي في البيان المنشور على صفحات الإنترنت، و الذي أعلن فيه استقالته من لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية و حقوق الإنسان في سوريا، طرح إشكالية خطيرة تتعلق بظروف العمل المنظم في سوريا سواءٌ أكان ذلك من خلال أحزاب أو جمعيات أو أية تجمعات أخرى، و سواءٌ أكان ذلك داخل سوريا أو خارجها.

و الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أنه بمجرد أن يجتمع شخصان في سوريا حتى يكون ثالثهما الشيطان، ليس بالمعنى الذي يذهب إليه المثل، و لكن الشيطان الذي ينقل كل ما يدور بينهما إلى دوائر المخابرات،
 كما أنه و بمجرد أن يبوح أحدهم بمكنونات صدره لأحد معارفه، أو لرفيقه في التنظيم، أيَّ تنظيم، حتى لا يلبث السر أن يتجاوز السر الاثنين و يصل إلى من لا يجب أن يصل إليه، بفضل شبكة تجسس اخطبوطية ضخمة أسسها النظام تحصي على السوريين أنفاسهم.

و في الواقع تعتبر لجان الدفاع عن حقوق الإنسان مثالٌ جيد لدراسة ظاهرة الاختراق الأمني لأسرار التنظيم السوري السري منه و العلني، و لحياة المواطن السوري الناشط أو حتى الذي لا يتدخل في الشأن العام، بحيث يبدو هذا المواطن عارياً تماماً أمام هذه الأجهزة، و يبدو تنظيمه كتاباً مفتوحاً، و كل الخطوات التي يقدم عليها معروفةٌ سلفاً، إن لم تكن مرسومة بدقة من قبل الجهة المخابراتية، فما ينطبق على اللجان، يسري للأسف على أي تنظيم آخر.
و قد شهد كاتب هذه السطور إلى جانب أصدقاء آخرين بدايات تشكل اللجان موضوع الحديث، أو على الأقل فرع أوربا، و لن أقول ساهموا في إنشاءها، لأنه لا علم لنا بالتوقيت التي نشأت فيها و من قام بوضع اللبنات الأولى لها، و ماذا كانت غايته، كل ما هنالك أن ملكيتها كانت مسجلة باسم آل نعيسة، حيث خرج علينا أحدهم و هو يرفع رايةً خط عليها صفته كسجين سياسي سابق، قبل أن تنقلب هذه العائلة على المبادئ التي رفعت رايتها، و تكشف عن وجهها الحقيقي و تعود إلى موقعها الفعلي و حاضنتها، من جهتنا فقد كان دافعنا للانضمام إلى هذا الجهد الذي كان يبدو نبيلاً هو رغبتنا بأن يكون للكرد صوتٌ يعبر عن آلامهم، لكن فقدان الشفافية في الموضوع برمته، و وجودنا فيما يشبه المتاهة، و وقوفنا على أرضية لا تبدو ثابتة، و خاصة عندما سألنا عن آلية العمل في سوريا، حيث قيل لنا أن هناك هامشاً ترك للجان للعمل خلاله، و أن هناك خطوطاً حمر لا يسمح لها بتجاوزها، أي أن هناك اتفاق بين طرفين، تقدم المخابرات بموجبه لعب أطفال للجان، و هذه تقوم باللعب بها تحت إشراف الأولى، على أن لا تكسر تلك الألعاب و تؤذي بالتالي نفسها و غيرها، لكي يبدو المشهد جميلاً من الخارج.
و هذه الاستنتاجات المبكرة دفعتنا للابتعاد سريعاً عن اللجان، مع الاستمرار في تقديم المساعدة للزملاء المتبقين بدافع الصداقة الشخصية.
لقد تبين من بيان الأستاذ إسماعيل عبدي، الذي استمر بالعمل بإخلاص في لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية و حقوق الإنسان بعد ذهاب آل نعيسة، تبين أن إختراق اللجان (و أخواتها كما أكد لي) قد وصل إلى درجات خطيرة، حيث يحضر عناصر المخابرات المؤتمرات بأريحية، ليس كضيوف شرف، بل كمُلاك حصريين لها، و حيث يتحول إيميل اللجان إلى إيميل مخابراتي خالص، و قد حاولت ثنيه ـ الأستاذ عبدي ـ و هو الذي دفع ثمناً باهظاً من عمره سجناً بسبب أفخاخ اللجان و بسبب تجاوزه الخطوط الحمر، بعدم نشر ما يمتلكه إلا بعد التأكد منه، و قلت له بأن المسألة برمتها قد تكون لعبة مخابراتية لضرب أعضاء اللجان ببعضها، و لكن كمية القرائن و الأدلة التي إمتلكها قد دفعته لإعلانه ذاك و نشر بعضها، خاصة أنه رجل قانون و زميل سابق في المحاماة، و لا أشك في حسن تقديره لما توفر لديه منها.
و هنا تحضرني قصة تجسس لا زالت فصولها مستمرة حتى الآن، حيث كنا أثناء فترة الدراسة الجامعية في دمشق نشك في قيام أحدهم بأعمال التلصص علينا، و كنا لذلك نتجنبه، إلا أن مجموعة من الشباب استغلت قيامه بأخذ قيلولة خلال فترة الظهيرة في أحد البيوت، و قامت بتفتيش جيوبه، فعثرت على بطاقة (عدم تعرض) له، قامت بتصويرها، و قد كانت البطاقة موقعة و ممهورة من رئيس أحد أفرع المخابرات، يطلب بموجبها الضابط بعدم التعرض للمذكور و تسهيل مهمته لأنه معروفٌ من قبله.

المهم أن الرجل قد توجه إلى أوربا و تقدم بطلب للحصول على اللجوء، و لم ينقطع عن زيارة سوريا أبداً، ثم أخذ يعمل في عمليات تهريب البشر قبل أن يتحول إلى نجم تلفزيوني، حيث تستضيفه أكثر من فضائية باعتباره محامي و ناشط حقوقي و مدافع عن حقوق الإنسان، مع العلم أن تواجده المتقطع في جامعة دمشق كان لغاية التجسس على الطلبة، حيث أجزم بأنه لم يكن طالباً في أيٍّ من كلياتها، و إذا كان قد تأبط كتاباً في يومٍ ما، فهي كانت جزءاً من عدة العمل لا أكثر.

لقد تحولت مسألة التجسس على المواطنين في سوريا إلى وباءٍ خطير استشرى في جميع مفاصل المجتمع حتى شوهه، فبالإضافة إلى الجيش العرمرم من المخابرات، هناك جيشٌ آخر رديف من المخبرين، يحصون على الناس أنفاسهم، حيث ينتشرون في كل زمانٍ و مكان، بعضهم يعمل بدافع الارتزاق و بعضهم الآخر بدافع الخوف، و لكن في النهاية ينتمي الجميع إلى فئة طفيلية تمتص دماء الناس، تحتاج إلى العلاج بدرجات متفاوتة، و هو ما بدأت به الثورة السورية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…