شكري بكر
على مدار ستين عاماً من حكم الأسدين، الأب والابن، في سوريا، كان المرحوم حميد حاج درويش يردد مقولته الشهيرة:
«حلّ القضية الكوردية في دمشق، لا في عواصم أخرى».
ورغم كل ما جرى في السابق، وما يجري بعد سقوط نظام الأسد، بقي التخندق سيد الموقف في الحراك السياسي الكوردي في سوريا، الذي كان وما يزال يطغى عليه طابع المصلحة الخاصة والنظرة الحزبية الضيقة.
طيلة فترة حكم آل الأسد لسوريا، انقسمت الحركة الكوردية إلى تيارين:
- تيار معارض لنظام الأسد، انخرط في صفوف المعارضة وتبنّى شعار إسقاط النظام، ممثلاً بالمجلس الوطني الكوردي.
- تيار اتخذ موقفاً معادياً للثورة السورية، بحجة هيمنة الإخوان المسلمين على المعارضة، ممثلاً بمجلس سوريا الديمقراطية، الذي تسلّم المناطق الكوردية في سوريا من نظام بشار الأسد، وشكّل إدارة ذاتية بثلاثة كانتونات: كانتون عفرين، ثم كوباني، والجزيرة. وبهذا يكون قد قدّم أكبر خدمة للنظام البائد، من خلال تكريس واقع المناطق الكوردية المتقطعة وغير المتصلة بعضها ببعض.
ما الذي حدث بعد سقوط نظام الأسد البائد؟
بعد سقوط نظام آل الأسد البائد، الذي كان يتنكر للوجود الكوردي وقضيته العادلة والمشروعة، دخلت سوريا مرحلة جديدة، مرحلة انتقالية يقودها الرئيس أحمد الشرع، الذي أصدر المرسوم رقم 13، وأقرّ فيه بأن المكون الكوردي مكون أصيل ذو وجود تاريخي في سوريا، كما تضمّن المرسوم اعترافاً باللغة الكوردية، وجعل من نوروز عيداً وطنياً ويوم عطلة رسمية في البلاد.
إن هذه المرحلة الانتقالية تحتاج إلى تضافر جميع الجهود الوطنية، ومشاركة كافة مكونات المجتمع السوري في مؤسسات الدولة وبناء سوريا الجديدة، نحو سوريا للجميع وبكل السوريين؛ سوريا تعددية لامركزية، إذ لا بديل عن الحوار السوري–السوري للوصول معاً إلى حوار وطني سوري شامل، تطبيقاً لقرارات مؤتمر جنيف 1 وسلاله الثلاث:
- تشكيل حكومة انتقالية.
- كتابة دستور جديد.
- إجراء انتخابات عامة في البلاد.
وصولاً إلى سوريا مستقرة ومستقلة، تتشارك فيها كافة مكونات المجتمع السوري القومية والدينية والمذهبية والطائفية.
ما المطلوب؟
المطلوب أنه لا بديل عن الحوار داخل كل مكون من مكونات المجتمع السوري، مع ضرورة إقامة إطار يمثل كل مكون، كما لا بديل عن الحوار الشامل الذي يضم جميع الأطر المكوناتية، تمهيداً لإقامة إطار وطني سوري شامل، ليصبح مدخلاً مرجواً لإقامة سوريا ديمقراطية تشاركية لامركزية.
ملاحظة لا بد منها في الجانب الكوردي
كان النظام الإيراني يدعم نظام الأسد البائد، وهو اليوم يعارض النظام الجديد في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
ويُفهم من ذلك أن النظام الإيراني قائم على المذهبية، وتحديداً المذهب الشيعي.
فهل كان الخلاف الكوردي–الكوردي، ولا يزال، خلافاً مذهبياً «شيعياً–سنياً»؟
حسب اعتقادي، فإن الحراك السياسي الكوردي يتجاوز الخلاف حول المذاهب، لأن أعداء الكورد لا يفرّقون بين هذا وذاك، بل ينظرون إلى الكورد نظرة موحدة، انطلاقاً من اعتقادهم بأن الوجود الكوردي يشكل خطراً على أمن دولهم.
بينما نظرة الكورد تجاه أعدائهم ليست موحدة، والسبب في ذلك يعود إلى المصالح والنظرة الحزبية الضيقة.
لذلك نرى أن من كان في فلك النظام الإيراني بات بعيداً عن الحكومة السورية الجديدة، ومن كان معارضاً لنظام الأسد البائد أصبح أقرب إلى الحكومة السورية الجديدة.
إن الحركة السياسية الكوردية بحاجة إلى وحدة الصف والموقف الكورديين أكثر من أي وقت مضى.
ويبقى السؤال الأهم:
ما الآلية التي يمكن من خلالها للحركة السياسية الكوردية في سوريا أن تحقق وحدة صفها وموقفها؟
وذلك لتمكينها من مواكبة التطورات والمتغيرات والتحولات التي يشهدها الداخل السوري، والتي تمتد جذورها إلى إعادة رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، والانتقال به نحو شرق أوسط جديد مرتبط بالنظام العالمي الجديد.