كم هي رخيصة دماء الشعب السوري

المحامي مصطفى ابراهيم

اقل المراقبين و المحللين تفاؤلا من الموقف الروسي و الصيني حيال شلال الدم الذي يسيل مدرارا على التراب السوري منذ سبعة أشهر و القمع و القتل لعشرات الآلاف من بنات و  أبناء الشعب السوري و الصور الجارحة للأخلاق و النفوس  الدامية للقلوب التي تتناقلها وسائل الإعلام المرئية بالصوت و الصورة بأن روسيا و الصين ستلجأن  في أسوء الاحتمالات بالامتناع عن التصويت و تمرير القرار المقدم من الدول الأوروبية و الولايات المتحدة لمجلس الأمن بإدانة ممارسات النظام السوري حيال المتظاهرين السلميين في المدن و الساحات المطالبين لأبسط حقوقهم الإنسانية خاصة بعد سيل التعديلات التي أدخلت على مسودة القرار الأصلي بناء على طلب الروس و الصينين و استقبال القيادة الروسية لوفدين من المعارضة السورية في الكرملين و زيارة ممثلين عن مجلس الدوما لسورية لتقصي الحقائق ميدانيا
 مع الإشارة بأن هذا القرار حتى في حال صدوره لم يكن يغير في الأمر شيئا على ارض الواقع المأساوي بجميع المقاييس حيث اقتصر على عبارات الشجب و الإدانة لممارسات النظام و مطالبته بالكف عن ارتكاب المزيد من اعمال القتل و التدمير و التهجير و الانصياع لمطالب الشعب و نداءات الأسرة الدولية .

و لكن لجوء الدولتين روسيا و الصين معا لاستعمال حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار _(مع الإشارة  أن الفيتو من احدهما كان كافيا لعدم صدوره)_و مقايضة ارواح و دماء الشعب السوري ببضع مليارات من الدولارات و القاعدتين البحريتين على المتوسط  في اللاذقية و طرطوس قد خيب آمال و تحليلات اولئك الأقل تفاؤلا و اثبت صدقية المتشائمين من المراقبين و المحلليين السياسيين المحليين و الدوليين المختصين بخفايا و خلفيات صناع القرار في الدولتين التي تحكمها المصالح  بعيدا عن القيم الأخلاقية و شرائع حقوق الإنسان التي باتت كما يبدو لا مكان لها في قواميس تلك الدول الى درجة الفضيحة الأخلاقية و العهر السياسي .
بيد أن ما يدعو الى التساؤل هو هل كانت شعارات الحرية لجميع شعوب الارض التي رفعتها الدولتان طيلة نصف قرن كذبة كبرى ام أن ما نراه اليوم من مواقف هي ذاتها بقضها و قضيضها وكانت شعوبنا هي المخدرة بها و المخدوعة ببريقها و زيفها  ولكن كما يقال فرب ضارة نافعة او عسى ان تكرهوا  شيئا وهو خير لكم فها هو الفيتو الروسي و الصيني ضد مشروع القرار الدولي في مجلس الامن و  وقوفهما مع الجلاد ضد الضحية ينزل كالصاعقة او الصدمة الكهربائية على ابناء الشعب السوري بمختلف مشاربه الفكرية و الاجتماعية و توقظه من سباته العميق و اضغاث  احلامه و هو يراهن على التحالف و الصداقة معهما طيلة عدة عقود لتحرير فلسطين و الجولان على خلفية و ارضية و ادعاء الدولتين بنظريات ماركس و لينين او بمسيرة ماوتسي تونج التاريحية ام أن القرن الحادي و العشرين قد سن للبشرية قيما جديدة و نظريات جديدة تتلائم مع عصر العولمة و ثورة المعلوماتية و التكنولوجيا الحديثة في وسائل الاتصالات و التواصل الاجتماعي  عبر القارات ..؟؟؟
و على الجانب الآخر من الصورة فلئن أعطينا و افترضنا المبررات و الذرائع للدولتين (روسيا و الصين) كقطبين دوليين وأن من حقهما الحفاظ على مصالحهما و مراكز نفوذهما على المسرح الدولي اقتصاديا و عسكريا و الوقوف بالضد من سياسة و هيمنة القطبين الآخرين الاتحاد الاوروبي و الولايات المتحدة الاميركية فما هي دوافع و مصالح حكومتي جنوب إفريقيا و الهند بالإمتناع عن التصويت و بالمحصلة تأييدهما الجلاد ضد الضحايا و هما البلدان اللذان عاشا و عانا الظلم و الأحتلال و القهر و الإذلال على مدى عدة عقود من الزمن فمواطنو الأولى ذو البشرة السوداء عاشوا عبيدا اذلاء في وطنهم وعانوا تمييزا عنصريا على خلفية العرق و اللون قل نظيره في تاريخ البشرية في ظل حكم الأقلية البيضاء التي كان النخاسون منهم يشدون آذان شيبهم و شبابهم ونسائهم وهم بالفلسين مردود كما قال المتنبي منذ أكثر من الف عام حتى ظهر بينهم القائد القديس  نيلسون مانديلا وتمكن بنضال شاق و مرير من تحريرهم من الرق و العبودية و جعلهم سادة لوطنهم فهل قيم و مبادىء مانديللا ورفيق دربه ثامبوبيكي تبخرت من قاموس تلك الدولة ودخل اصحابها المتاحف ؟ وهل أن دولة الهند العريقة بديموقراطيتها ومئات اعراقها واديانها و مذاهبها قد تخلت نهائيا عن تلك القيم السامية التي دفع طاغور و غاندي و نهرو حياتهم في سبيلها وإلا فما هي المصالح و المكاسب التي ستجنيها الدولتان بالتحالف مع النظام السوري الآيل للسقوط طال الزمن أم قصر بحكم قوانين الحياة و عصارة تجارب الشعوب فصفحات التاريخ القديم و الحديث تخلو من انتصار أي نظام مهما بلغ من البأس و القوة والطغيان على إرادة شعب قرر الدفاع عن حقوقه و كرامته واستعداده بتقديم كل غالي و نفيس في سبيله .
وعودة على الفيتو الروسي و الصيني و بعيدا عن الشعارات و الأيديولوجيات فالديكتاتوريات لها أشكال و ألوان آخر صيحة لها هي التبادل المستمر بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء في روسيا بين شخصين لا غيرهما (بوتين- ميدفيديف) وكلاهما من المؤسسة الأمنية الروسية (ك.ج.ب) ذات التاريخ الأسود في مجال الحريات و حقوق الأنسان ومقاربة لها القيادة الصينية التي ما زالت تتغنى بديكتاتورية البروليتاريا لكن مذبحة ميدان الحرية في بكين والممارسة الوحشية حيال شعب الأيغور المسلم لا زالت ندية في الذاكرة الجمعية لشعوب العالم الحر و منظمات حقوق الأنسان وما مزاعم الدولتين و تشدقهما بالديموقراطية و حقوق الشعوب بالحرية و الأنعتاق فهو استهزاء غير مسبوق لعقول الناس في القرن الحادي و العشرين و لكنها من جانب آخر تفسير لماذا تقف روسيا و الصين مع الديكتاتوريات الأخرى المتبقية في العالم فشبيه الشىء منجذب اليه بحكم قوانين الطبيعة فلا غرابة و الحالة هذه لموقفهما المشين في مجلس الأمن ففاقد الشيىء لا يعطيه .
ومرة أخرى اكرر القول بأن على قادة الأنتفاضة و المعارضة معا الخروج من المربعات الرمادية في خياراتها و الضبابية في مواقفها ومخاطبة الأسرة الدولية بخطاب واضح و جريء قبل خراب دمشق و ليس بعدها .ثم اليس موروثنا الثقافي وتجاربنا التاريخية قائم بأن السيف هو اصدق أنباء من الكتب .

سياسي كوردي سوري

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل حين تتحول القضايا القومية إلى وسيلة للهروب من المحاسبة، يصبح التحريض بديلاً عن الإصلاح، ويغدو الفساد المستفيد الأكبر من الانقسام. منذ عام 2003، كان العراقيون يتطلعون إلى بناء دولة تقوم على الدستور والشراكة والعدالة. غير أن هذا المشروع اصطدم بانتشار الفساد، وضعف مؤسسات الدولة، وتغليب المصالح الحزبية والفئوية على المصلحة الوطنية. ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية، برز…

حيدر عمر الصّراع على السّلطة واجتماع سّقيفة بني ساعدة لا تخلو الأمم والشعوب من الصراع على السلطة، وهو صراع يؤول فيه الولاء إلى تنظيمات سياسة، ولا يلبث ضمن هذه التنظيمات أن يؤول إلى فرد من أفرادها. والإسلام الذي بدا منذ البدايات كمشروع سياسي أنه يسعى إلى التوسُّع وبناء دولة عربية إسلامية، ليس استثناءً. وقد ظهر هذا الصراع بين النبي وقريش…

شكري بكر السؤال الذي يشغل بال كل السوريين هو : ما السبب في غياب المشروع الوطني السوري الشامل الذي يؤدي بالسوريين نحو إلى إقامة سوريا لكل السوريين وبكل السوريين؟. أعتقد أن نظام آل الأسد عمل جاهدا على نشر نوعين من المرض في المجتمع السوري : الأول : الإيصال بالمجتمع السوري إلى درجة العبادة ورضوخه لمرض الأنا (الأسد أو نحرق البلد)…

عبد الجابر حبيب   “الظلمُ مؤذنٌ بخرابِ العمران” ابن خلدون   لم تكن هذه العبارةُ حكمةً تاريخيةً فحسب، وإنما قانوناً من قوانين الحياة. فكلُّ ظلمٍ، وكلُّ إهانةٍ، وكلُّ استهانةٍ بكرامة الإنسان، لا تقف آثارها عند فردٍ واحد، وإنما تمتدُّ لتفتح ثغرةً في جدار الوطن. حتى إذا كثرت تلك الثغرات، انهار العمران، وضاع الجميع. وهذا ما يُحزُّ في النفس اليوم. فبعد…