الضياع بين حكمة التنظير وصبيانية التعاطي

صالح دمي جر- بيروت

لقد باتت العديد من الممارسات والألاعيب الصبيانية التي تقوم بها بعض الجهات الكردية , مكشوفة ومقيتة لدرجة الإستهداف المباشر للشباب الكردي بغرض تفتيت حراكه.

وللأسف الشديد تحقق لهم نسبياً ما أرادوه في بعض المناطق منعاً لإتساع رقعة التظاهرات التي إذا ماإتسعت فإنها ستلحق الضرر بمصالح تلك الجهات التي إدعت وما زالت تدعي حق إمتلاكها للقرار الكردي الحصري ,على قاعدة التوريث السياسي والقيادة المطوبة بأسماء عصية على التغيير.
وتبرر هذه الأطراف والجهات تصرفاتها الصبيانية تلك بمحاولاتها ترتيب البيت الكردي ناسية أو متناسية أن ترتيب البيت لا يمكن أن يكون عبر تأليه أحد أطرافه ومنحه كارت بلانش لإستصدار الأوامر والفتاوى بجدوى خيارٍ ما دون آخر على مبدأ: إما أن يكون المسار كما أهوى وإما الهلاك لكل المسارات!!.
هؤلاء في التنظير يتحدثون عن الذهنية الإقصائية  كنقيض للممارسة الديمقراطية ولكنهم في التعاطي لا يوفرون أية فرصة في ممارسة الإقصاء بأبشع صوره.

سائرين في ذالك – سواء كانوا يعلمون أو لا يعلمون – على خطى النظام السوري الذي لا يستطيع أن يتقبل بأي شكل من الأشكال فكرة تداول السلطة وتسلم الغير لها.

وهذا الأمر إن دلّ على شي فإنه يدل على ضعف إيمان بالثورة وعدم وجود قناعة راسخة لدى هؤلاء بأن النظام ساقط لا محالة.
فلتكن الصورة جلية وليعلم الجميع أن الحراك الكردي مثله مثل الحراك السوري العام قد أفرز بشكل واضح في هذه المرحلة ثلاث دعائم أساسية للثورة يملك كل منها شخصية إعتبارية  مستقلة, لا يمكن بأي شكل من الأشكال تغييبها أو إعتبار العمل بدونها مجدياً .وهذه الدعائم (الشباب , شباب الثورة أولاً .

الشخصيات المستقلة التي لا تنضوي تحت أي إطار ثانياً , وثالثاً  الأطر التنظيمية من أحزاب وتنظيمات ومؤسسات رديفة لها) هي آنياً كتل صلبة يمكن أن تتحد في إطار محدد ولكنها عصية على الإنصهار وأخص بالذكر هنا الشباب , الدعامة الأساسية في هذه الثورة .
إننا بتغييبنا للشباب في أي مشروع أو حتى في أية خطوة نقوم بها ونأمل منها خيراً , نتخلى عن ركن هام بل وأساسي من أركان نجاح هذا المشروع.

ونفقد البوصلة التي تمكننا من التحكم بالقرار السياسي المستقبلي والتعاطي السليم مع ما يجري.

لنبرهن مرة أخرى أننا نفتقد الحكمة  ونسبح عكس تيار سيؤدي بنا لبر كنا نحلم أن ترسو عليه مراكبنا لو أننا لم نعاكسه, من خلال أوهام  يعيشها بعضنا بإحتمال عودة  الوضع السوري إلى ما كان عليه قبل الخامس عشر من آذار.
يقيناً , لا يمكن لأي طرف أو جهة أو مرجع أن يغيب دور الشباب الذي استفاق على سحر ثورة واضحة كالرصاص لا تقبل بتمجيد الصور والاطر النمطية – التي هرمت على سلوك طرق زكزاكية  في التعاطي-  وتعتبر مجرد الالتفات الى الأمس مضيعة للوقت.
ولكن في الوقت ذاته يجب أن لا يغيب عن بال الشباب أن المستقلين الكرد يمكن أن يلعبوا (ويلعبون) دورهم الريادي في هذه الثورة والأحزاب أيضاً لديها ما تناضل من أجله دون أن يكون هنالك  تضارب أو محاولات إقصاء عبر مهاترات وإدعاء شرعية لا تنتمي لزمن التغيير والديمقراطية .


إذا كنا نريد أن نكون مع هذه الثورة قلباً وقالباً ونلعب دوراً في تحقيق أهدافها التي نصبوا إليها كلنا ويمتلك كل منا حيزاً لايشغله الآخر.

فلنحترم رؤى وتوجهات بعضنا كما هي  بعيداً عن المصالح الفئوية التي لا تمت لجوهر ما نصبو إليه بصلة.
وإذا كنا نريد فعلاً ان نترجم جزء من الديمقراطية النظرية التي نتشدق بها ليل نهار على أرض الواقع  فلندع الشباب يهتفون بإسقاط النظام بدون أن نحشر أنفنا بكل شاردة وواردة في عملهم ومواعيد تظاهراتهم وشعاراتهم وأعلامهم .

فهذه ثورتهم وهم أحرار بحناجرهم وما تصدح .

ولندع المستقلين من شخصيات ومؤسسات حقوقية ووجهاء المجتمع فسحة ليقوموا بدورهم كما يرونه مناسباً , لا كما تخطط له هذه الجهة أو تلك.

ولندع أيضاً أحزابنا تأخذ بمبادراتها وتناقش الأحزاب المعارضة والموالية إذا أرادت.

لتخرج برؤية تخصها وتكون مستعدة وجاهزة  لأي ظرف طارئ بعد أن تكون قد تحصنت بوحدة الموقف والرأي .
المعادلة واضحة جداً.

الشباب جزء من الحراك والمستقلون جزء والأطر التنظيمية جزء وهذه الأجزاء هي الأحجار الصلبة التي تحمل  قِدر الثورة .

وخارج هذه المعادلة , أجزم أننا ضائعون ضائعون.

2-9-2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…