مشتّتات… ومشتركات كردية ..

محمود مراد

حتى هذه اللحظة ، ما زلت أعتقد بأنّ الحراك الشبابي السوري ، يحمل طابع مدني ، رغم الأذان السياسي في محراب مدنيتها ، من قبل الساسة التقليدين ، الذين يهرولون لملاقاته والتلحّف بشرعيته ، ولكن شتّان بين العقلية التقليدية ، وبين الحراك المدني ، أمّا العقلية الاستبدادية اللاغية للذات ، على مدى نصف قرن ، عملت على تبديد وتفكيك شخصية الإنسان ككل ، والشخصيّة الكردية بشكل خاص ، وصهرها ودمجها بشكل قسري ، في أيقونة هوية قومجية عروبية ، ألغت وأبعدت هوية عربية مدنية ديمقراطية عن تاريخ سورية ، قائمة على المواطنة وحقوق الإنسان ، والمواثيق الدولية، تعترف بحقوق الكرد والأقليات جميعاً .
الكرد عبر تاريخهم النضالي ، حاولوا الدخول في المعركة الحقيقية ، لانتزاع حقوقهم القومية المشروعة ، ولكن على ما يبدو الظروف الموضوعية، ركّبت اضطهادهم على المزدوجين القومي والمعاشي .
من خلال متابعاتي للحراك النقدي على الساحة الكردية ، من طرفي النخب الثقافية ، والحزبية أرى التالي : موضة دارجة ، النقد الذي يحمل الطابع التهكمّي ، تجاه الأحزاب الكردية ، لا شك النقد دليل عافية وصحة فكرية ، وانطلاقة نحو تصورات ، ورؤى وبلورتها ، وما أحوج الكرد إليها ، في هذه الفترة الحسّاسة للغاية ، ولكن النقد الذي يجترّ الماضي ، لينتج مخلفاته دون التأسيس لإستشرافات مستقبلية ، هنا يكون الطامة الكبرى ، وأيضاً الهجوم التحزّبي الغير مدرك لضرورة ما هو ثقافي  للشخصية السياسية والانطلاق من المشتركات ، والتوافقات المكوّنة للعقل الجمعي الحزبي ، والتلازم الجدّي بين الثقافي والسياسي ، لتوليد رؤى جديدة ، وصياغتها وبلورتها للانتقال إلى حالة فكرية وأخرى عبر هذا التلازم الضروري بينهما .
سبق وقلت في مقال سابق كلما اتسعت مساحة الحرية، وطغت على مساحة الاستبداد سنكون أمام انقسامات أكبر لماذا ؟ لأنّ الشخص الحزبي سيجد ذاته ، في هذه المساحة وسيتمرّد ، ولن يهادن القيادة الأبدية ، والرأي والموقف الواحد، واللون الواحد، وسيجد طريقه سالكاً إلى التنوّع ، والإدارة الحزبية عبر تنظيمها التقليدي، لن تقبل بذلك هذا ما سيؤدي إلى شتات أكبر إلاّ إذا ما تمّ إلى عقلنة الحالة الحزبية ، ومأسستها ، وقررت التنوّع في إطار الوحدة .


طوبى للتعددية القائمة على أساس التنوّع الفكري والسياسي ، بين الكرد مثقفين وكتّاب وحزبيين ، أما التعددية القائمة على ذاتيات الأنا لها تعابير مرضيّة ، تحتاج إلى عناية خاصة ، ومجرّة كردية شفافة ، ومصارحة حقيقية مع الذات ، نحتاج أيضاً إلى عمل نضالي للتخلص والتحرّر منها .
الحراك الشبابي الكردي، انتزع شرعيته من الرأي العام الكردي بمساحة كبيرة ، وسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب الكردية ، وأيضاً من تحت أقدام النخب الثقافية ، وبدأ يمثّل إذا صحّ التعبير الرأي العام الكردي ، أعتقد التماهي مع هذا الحراك ، بل إحداث تقاطعات جدّية مع ما يجسدّه حول مفهوم المواطنة، ضروري بلورته وصياغته ، هذه مهمة المثقفين والكتاب والأحزاب الكردية بشكل عام ، كل ذلك سيؤسّس مساحة أكبر لبناء المشتركات الكردية ، أستطيع جازماً ، في ظل المواطنة هذه من قبل الشباب الكرد ، ستتحوّل القضية الكردية إلى قضية سورية ، ستخصّ المواطن العربي ، بالدرجة الأولى قبل المواطن الكردي .

لماذا؟ لأنّ المواطنة ستكون ناقصة ، ومستلبة إذ لم تجد حلاً سياسياً للمسألة الكردية ، وهي لا تعني القفز فوقها البتّة ، إلاّ إذا فكّر الكرد بعزل أنفسهم على أنّهم ليسوا جزءاً، من الحراك الديمقراطي الوطني السوري ،الذي يجسدّه الشباب الكرد على أرض الواقع  .
التعوّيل على العامل الكردي ، سيكون الفيصل في بناء دولة مدنية ديمقراطية.

لماذا؟ لأنّ الرابطة الكردية ، والانتماء لها كهوّية ، تتجاوز وتتخطّى الانتماءات الأخرى ما قبل القومية هذا من جهة ، ومن جهة أخرى يمثّلون المعارضة الحقيقية على أرض الواقع بحكم الاضطهاد المركّب الذي يتعرضون له ، إذاً لماذا التوجّس من قبل بعض الساسة الكرد  تجاه المعارضات الأخرى ؟! والنظر إليها بأنّها تملك سحر المواطنة ، ومفتاح أسرارها ، وصيغتها النهائية ،وتوزّعها على الكرد والقوميات الأخرى.


ما أكثر المقالات المنشورة ، التي تحدث التباساً حول هذا المفهوم الجنيني في هذه الفترة .
منهجياً من منّا ؟ قدم إلى نقاش، ندوة ، مؤتمر وتشاور ، ويحمل في جعبته السعي والبحث إلى بناء ما هو مشترك مع الآخر ، ليحصد الفرقة والشتات في الرؤى ، وينقل العنوان من مركزية الرأي والآخر ،إلى بناء رؤية مشتركة يعوّل عليها .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…