إسماعيل عمر ( قامة من قامات النضال)

حسن برو

إسماعيل عمر أبوشيار، ذاك الرجل الذي كان سندًا حقيقيًا في زمن الانكسار، والذي لاحقته أعتى أجهزة المخابرات في الشرق الأوسط والذي كان النظام السوري  احد جذورها، لم يكن مجرد قائد سياسي بل رمزًا للثبات والكرامة، رجل جمع بين التواضع والكبرياء، وأتقن فنّ القيادة بحنكةٍ جعلته يتحمّل مسؤولية النجاح والفشل على حد سواء، دون أن يتخلّى عن روحه الإنسانية وقربه من الناس.

ولد في قرى الدرباسية النائية ( قره قوي) ذات البيئة العشائرية، لكنه جاء ليكسر الجغرافيا والعنصرية ويتوجه لدمشق  التي بيدها الحل والربط  بعد أن تقرر مصير  الشعوب باتفاق سايكس بيكو  عنوة ، فارضا حضوره السوري الكردي في قلب معادلات الاستبداد القومي ،منذ انخراطه في النضال السياسي، عُرف بموقفه المبدئي من قضية حرمان الكرد من الجنسية السورية بعد إحصاء عام 1962، حيث تصدّى بجرأة لهذا الظلم المزمن، واضعًا النظام أمام مسؤولياته تجاه أبسط حقوق الإنسان.

كان إسماعيل عمر أحد أبرز المؤسسين من الجيل الثاني للحركة السياسية الكردية في سوريا، ومن أوائل من نادوا بالأخوة (الكردية–العربية) بوصفها ركيزةً لبناء وطن تعددي ديمقراطي. من موقعه كرئيس لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا، ساهم في إطلاق إعلان دمشق، وألقى محاضراته في منتدى الأتاسي بكل ثقة وعقلانية، مجسّدًا صورة السياسي المثقف، وصاحب الرؤية الوطنية الجامعة.

لم يكن إسماعيل عمر شخصية تقليدية، بل تجاوز المألوف دون أن يخرج عن منطق الحق والعدالة والمساواة التي كان يسعى إليها دائما ، وقف في أصعب اللحظات عندما تراجع الآخرون، وواجه خيبات القريب قبل بطش البعيد، مؤمنًا بأن القضايا العادلة لا تنتصر إلا بالتضحية والثبات.

في مسيرته، سعى لبناء شخصية كردية سورية مستقلة، لا تذوب في أجندات الخارج الكردستانية، ولا تتقوقع في هويتها الوطنية لحد الثمالة ليفقد حق الكردي في شراكة وطنية ، بل تنفتح على الشراكة الوطنية، وتؤمن بحقوق الجميع حمل التناقض الكردستاني–والسوري في شخصية متزنة صاغها من رماد الاضطهاد، لتصبح شعلة أمل تلهم أجيالًا قادمة تحافظ على بوصلة الأمان.

إسماعيل عمر أبوشيار، لن يعرف قيمته إلا من عايشه عن قرب وتلمس فيه روح التضحية، في زمنٍ كانت فيه المواقف عملة نادرة، وهو الذي بقي شامخًا كجبل، لا تهزّه العواصف ولا تُغريه المصالح.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…