الوفد التقني… بين إدارة الأزمة وحاجة الشارع للحلول الجذرية

نجاح هيفو

في خضم التطورات الأخيرة والاحتقان القائم على الأرض، توجه وفد تقني من الإدارة الذاتية إلى دمشق، في خطوة وُصفت بأنها تأتي ضمن جهود “خفض التصعيد”. هذه الخطوة أثارت فضول الرأي العام وفتحت الباب أمام تساؤلات عديدة: ما هو الوفد التقني؟ وما حدود دوره؟ وما الذي ينتظره الشارع منه؟

الوفد التقني ليس وفدًا سياسيًا يفاوض على قضايا السيادة أو الحقوق الكبرى، بل هو مجموعة من المختصين والخبراء الميدانيين، يذهبون لمناقشة قضايا عملية، مثل المعابر، الكهرباء، المياه، إدارة الخدمات، والآليات الأمنية لتجنب الاحتكاك المباشر. مهمته في العادة وضع تصوّرات وحلول فنية قابلة للتنفيذ، قد تُستخدم لاحقًا كأساس لأي تفاوض سياسي، لكنه بحد ذاته لا يمتلك صلاحية اتخاذ قرارات مصيرية.

ورغم أن وجود قنوات تواصل فنية قد يخفف من التوتر الميداني ويمنع الانزلاق نحو مواجهة مباشرة، إلا أن حصر الحوار في هذا الإطار المحدود يترك الشارع أمام حالة من الشك: هل نحن أمام معالجة حقيقية لجذور الأزمة، أم أننا نعيش محاولة لتجميدها بانتظار جولة أخرى من التصعيد؟

التجربة السورية، على مدار أكثر من عقد، أكدت أن الاعتماد على المسكنات الفنية، دون التوصل إلى اتفاقات سياسية شاملة، يعني ببساطة إطالة أمد الأزمة. فالخطوات الجزئية، مثل فتح معبر ليوم أو يومين، أو زيادة ساعات الكهرباء مؤقتًا، قد تُحسّن الوضع آنياً، لكنها لا تُنهي الأزمات البنيوية المتعلقة بالحقوق والإدارة وتوزيع السلطات. هذه الملفات، إن بقيت عالقة، ستنفجر من جديد عند أول خلاف أو ضغط خارجي.

ولا يمكن فصل هذا اللقاء التقني عن سياق العلاقة الطويلة والمعقدة بين الإدارة الذاتية ودمشق، حيث شهدت السنوات الماضية جولات متقطعة من الحوار، غالبًا ما توقفت عند حدود الملفات الأمنية أو الخدمية، دون أن تتجاوزها نحو صياغة رؤية سياسية شاملة تضمن حقوق جميع المكونات وتؤسس لشراكة حقيقية في إدارة البلاد.

إن الرسالة التي يحتاج الشارع سماعها اليوم واضحة وصريحة: خفض التصعيد الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الوفود التقنية، بل يتطلب إرادة سياسية شجاعة تتجاوز الحسابات الضيقة وتضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. المطلوب ليس مجرد إدارة الأزمة، بل إنهاؤها عبر اتفاقات ملزمة تحمي الحقوق، وتوقف دوامة النزاع المستمرة منذ سنوات.

أما الاكتفاء بالخطوات الجزئية، فهو أشبه بمن يرقّع ثوبًا باليًا في مواجهة عاصفة قادمة؛ قد يمنع التمزق للحظة، لكنه لا يقي من البرد ولا من المطر. ومن هنا، تقع المسؤولية على جميع الأطراف — دون استثناء — لتحويل هذه اللقاءات من غرف مغلقة تبحث في التفاصيل الفنية، إلى منصات مفتوحة لصنع قرار وطني جامع.

إن الشارع الذي دفع أثمان الحرب والانقسام ينتظر خطوات حقيقية، لا رسائل تهدئة مؤقتة. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى أي “خفض للتصعيد” هشًا وعابرًا، فيما الأزمة الأصلية تترصد اللحظة المناسبة للانفجار من جديد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباسط سيدا الوضع الدولي على غاية التعقيد، وكذلك الوضع الإقليمي، وهذا يعود إلى عجز النظام العالمي، الذي توافقت بشأنه القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية 1939-1945، على مواكبة التطورات والمتغيرات التي استجدت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وقد تمثّل في تراجع المكانة الاستراتيجية لبعض القوى الدولية المؤثرة، وانشغال روسيا بأوضاعها الداخلية، وبروز الصين كقوة اقتصادية عملاقة تمتلك رؤية مستقبلية…

صلاح عمر في زمنٍ تُدار فيه الحروب على منابع الطاقة، وتُرسم فيه خرائط النفوذ بخطوط النفط والغاز، تبدو المفارقة في روجآفاي كردستان أكثر قسوةً من أن تُحتمل. فهنا، لا يدور الصراع على من يملك الثروة… بل على من يُحرم منها، رغم أنها تخرج من أرضه، وتُحمَّل أمام عينيه، وتغادر دون أن تترك له سوى طوابير الانتظار. في الوقت الذي يتصاعد…

اكرم حسين تقتضي الضرورة التاريخية الراهنة، أكثر من أي وقت مضى، إجراء مراجعة نقدية للمسارات السياسية التي سلكها الوعي الجمعي السوري منذ منتصف القرن العشرين، حيث ظلّت الدولة والوجدان العام رهيناً لمشاريع أيديولوجية شمولية حاولت قسراً صهر الوجود السوري المتعدد في أطر “فوق-وطنية”، مستندةً في ذلك إلى شعارات العروبة “الراديكالية ” أو”الأممية” الدينية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والواقع المعاش…

سرحان عيسى بدايةً، لا بد من التأكيد على الاحترام الشخصي والتقدير للأستاذ عبدالله كدو، لما يمتلكه من تجربة ورؤية تستحق النقاش. غير أن هذا الاحترام لا يمنع من الوقوف عند بعض النقاط الجوهرية التي وردت في مقاله، خاصة حين يتعلق الأمر بمسار الحركة السياسية الكردية في سوريا ومستقبلها. إن الدعوة إلى تفعيل الطاقات والكفاءات الكردية السورية هي دعوة محقة ومطلوبة،…