الانكفاء القيادات الكردية

مسلم شيخ حسن- كوباني

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها سوريا تمر البلاد بمنعطف تاريخي يتطلب قيادات سياسية تتمتع برؤية استراتيجية وقدرة على إدارة القضايا المعقدة بوعي ومسؤولية لا سيما في مجال العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى والمجتمع الدولي. إلا أن المشهد السياسي الكردي في سوريا يكشف عن ثغرة واضحة في هذا الإطار إذ انكفأت معظم قادة الأحزاب الكردية في نطاق ضيق وحصروا نشاطهم في الأوساط الكردية الداخلية دون انفتاح جدي على المحيط الإقليمي والعالمي.

هذا النهج الانعزالي حرم القضية الكردية من الوصول إلى منصات التأثير على الرأي العام العالمي وحصر صوتها في دائرة إقليمية ضيقة بدلاً من تقديمها كقضية عادلة تستحق الدعم على الساحة الدولية. إن غياب العمل الدبلوماسي الفعال والاعتماد على النقاش الداخلي جعل فرص الكرد في كسب الدعم السياسي والضغط الدولي محدودة مما أضعف إمكانية  تحقيق أهدافهم في سبيل الحقوق المشروعة.

وقد أثبتت التجارب أن النضال السياسي لا يكتمل إلا برؤية دولية وعلاقات خارجية متينة يبقى ناقصا ً. وأن القضايا القومية مهما بلغت عدالتها تحتاج الى قادة قادرين على مخاطبة العالم بلغة المصالح المشتركة وصياغة خطاب يجذب انتباه المجتمع الدولي بذكاء وواقعية. لذلك لم يعد تجديد أدوات العمل السياسي الكردي في سوريا خياراً بل ضرورة ملحة لتجاوز العزلة وفتح آفاق أوسع للقضية الكردية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

إن المرحلة الراهنة التي تمر بها سوريا وما يرافقها من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية تتطلب من جميع القوى الوطنية وعلى رأسها الأحزاب السياسية الكردية إعادة النظر في أساليب عملها ونهجها في التعاطي مع الملفات الرئيسية. فالقضية الكردية بوصفها قضية حقوقية وسياسية ذات أبعاد إنسانية وتاريخية لا يمكن أن تبقى محصورة في النطاق المحلي أو أسيرة الصراعات الحزبية الضيقة. إن الانفتاح على العالم الخارجي وبناء علاقات دبلوماسية متينة مع القوى المؤثرة في المجتمع الدولي ليس ترفاً سياسياً بل هو ركيزة أساسية لضمان إيصال صوت الشعب الكردي إلى المحافل المؤثرة وتأمين الدعم اللازم لقضيته.

إن الاكتفاء بالتحرك داخل الإطار الداخلي مهما كان حيوياً لا يكفي لضمان حضور حقيقي على الساحة الدولية حيث تتخذ القرارات المهمة وتحدد مسارات الحلول. تثبت التجارب العالمية أن القضايا التي تنجح في حشد الرأي العام الدولي لصالحها هي تلك التي تحظى بقيادات واعية قادرة على صياغة خطاب سياسي ودبلوماسي تدرك لغة المصالح وتوازن بين الثوابت القومية ومتطلبات السياسة الدولية.

لعل ما تحتاجه الحركة السياسية الكردية اليوم هو جيل جديد من القيادات يمتلك القدرة على الجمع بين العمل الميداني في الداخل والتحرك الذكي في الخارج بما يضمن دمج القضية الكردية في أجندة النقاشات الإقليمية والعالمية. ومن دون هذا التحول سيظل الوجود الكردي في سوريا محدود التأثير وسيبقى حلم الوصول إلى حل عادل يضمن الحقوق السياسية والقومية للشعب الكردي بعيد المنال.

إن المسؤولية التاريخية تقتضي وعياً جماعياً بضرورة تطوير أدوات النضال والانفتاح على الشراكات والتحالفات الدولية والعمل بروح جماعية تتجاوز الانقسامات الحزبية حتى تصبح القضية الكردية في سوريا قضية إنسانية وسياسية تتبناها قوى الرأي العام العالمي، لا مجرد ملف محلي سيتم نسيانها مع مرور الزمن .

 

12 / 8 / 2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…