دمشق وصيرورة المعضلة الكوردية

أحمد آلوجي

   تبدو التحركات الدراماتيكية الأخيرة في الشرق الأوسط، من حروب ضد التنظيمات الراديكالية، سواءً الشيعية أو السنية في اليمن وسوريا ولبنان، وكأنها تأتي في سياق إعادة تشكيل ميزان القوى والحد من النفوذ العسكري والسياسي لكل من تركيا وإيران، وهما الطرفان الأكثر تمدداً في المنطقة منذ العقدين الأخيرين. وفي المقابل، يشهد نفوذ إسرائيل وبعض دول الخليج – خاصة بعد استجابتها لمطالب الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب عبر صفقات تجارية وعسكرية ضخمة – تزايدًا ملحوظًا، بما يتماشى مع رؤية أمريكية جديدة لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية في المنطقة.

   هذه المستجدات، وإن لم تكن موجهة بشكل مباشر، إلا أنها تصبُّ دون شك في مصلحة الشعب الكردي في الدول الأربع، إذ تُتيح فرصة تاريخية لتخفيف وطأة تركات اتفاقية سايكس بيكو التي أثقلت كاهل الكرد لعقود، خاصة في سوريا وتركيا. ويزداد هذا الأثر وضوحًا بعد إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه والانخراط في المسار السياسي والديمقراطي، في ظل ضغوط دولية متزايدة على أنقرة للانفتاح السياسي تجاه الكرد، لا سيما فيما يخص الملفات الدستورية والحقوقية.

    أما في سوريا، فقد شكّل انعقاد مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي، وبدعم مباشر من الرئيس مسعود بارزاني، محطة فارقة، حيث بات الحراك السياسي الكردي أكثر انسجامًا مع التحولات الوطنية والدولية، وأكثر نضجًا ووعيًا ديمقراطيًا من المشهد السياسي العام في دمشق، الذي لا يزال يمارس الإقصاء تجاه المكونات، ويتجاهل المطالب الشعبية، وخاصة بعد صدور الإعلان الدستوري الأخير الذي خلا حتى من الإشارة إلى كلمة الديمقراطية.

   الدعم الدولي المتنامي – ولا سيما من قبل أمريكا وفرنسا، وكذلك ألمانيا – للقضية الكردية في سوريا، عزّز هذا المسار. ومنذ سقوط النظام السابق، لعبت الدبلوماسية الألمانية دورًا متقدمًا في حث دمشق على التعامل مع الكرد والمكونات الأخرى ضمن رؤية سياسية أكثر شمولية. ولا يمكن فصل كل هذه المكتسبات عن دور الرئيس مسعود بارزاني وقيادة إقليم كوردستان، الذين أظهروا حكمة ومسؤولية عالية في التقريب بين الأطراف الكردية من جهة، وتعزيز الحوار مع حكومة دمشق من جهة أخرى.

   سياسياً، يُعد الإسراع في تشكيل وفد كردي موحد، منبثق عن المؤتمر، خطوة استراتيجية في مسار التفاوض مع النظام، إذا ما اقترنت بتسهيلات وضغوط غربية. فالتوقيت الراهن يشكّل فرصة ذهبية لانتزاع مكاسب دستورية وحقوقية للكرد بعد نضال طويل، وقد بات من الواضح أنه لا عودة إلى ما قبل 2011، رغم كل محاولات الإقصاء واستمرار العقلية الشوفينية لدى بعض دوائر القرار في دمشق.

======

صحيفة كوردستان – العدد 757

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…