أزمنة النبع الكوردي: من أطلال التشتت إلى ضياء السياسة

بوتان زيباري

 

في أفق الأزمة السورية الدامية، ارتسمت صورةٌ جديدة للمشهد؛ إذ تجاوزت رقعة الصراع حدود الداخل إلى كواليس التفاهمات الدولية والإقليمية، فخلَت الساحة من صدى حضور الكورد وسط جوقة المصالح الكبرى. لم يكن هذا الغياب قسمةً محتومة، بل نتاج ضعفٍ بنيويٍّ في الأداء السياسي، أرّقه انقسام الأجسام الحزبية، وغاب عنه مشروعٌ جامعٌ يليق برهانات الزمن وتحولات الجغرافيا وصيع الحقوق والواجبات.

لقد استُبدل الخطاب الثقافيّ والإداريّ بملفٍّ دوليٍّ مدوّنٍ على طاولات المفاوضات؛ فأضحى تكتُّلٌ بلا تمثيلٍ مشروعٍ، يتوخى إعادة رسم سوريا على مقاس جديد. هنا، يتبدّى جليًا أن المطلب الكورديّ الفعليّ يرنو إلى صياغة رؤية استراتيجية متماسكة، تستند إلى حُجج القانون الدستوريّ والمؤسسات الدولية، وتمنح “التمثيل الاعتباري” ثقله الفاعل في أروقة السياسة العالمية.

وليلة الكونفرانس الكورديّ كانت كلمحة أملٍ لَيِّنة، وظنٌّ جميلٍ بوحدةٍ ممكنة، قبل أن يتبدد هذا الأفق في غياب اللجان التنفيذية الفاعلة، وافتقار الخريطة الزمنية لخطواتٍ واضحةٍ، وغياب قنوات التواصل مع كبريات البعثات والمؤسسات. وبذلك، بات المؤتمر ذكرى رمزية لا تسمن ولا تغني من جوع، تُرَحِّبُ بخيبة أملٍ جديدة، وتزيد وثبة الانقسام سقوفَها على شعور الجماهير.

ثم جاء هَدرُ الساحات الدولية؛ إذ يُعاد ترتيب المشهد السوريّ بأدوات الخارج وحدوده، فتجد القضية الكوردية مُختزَلةً في خانة الشريك التكتيكي لا المؤسس لعقدٍ اجتماعيٍّ جديد. تبقى الأسئلة المدوية على ألسنة الجميع: من يمثل الكورد يومَ الاقتسام؟ ومن يحمي حقوقهم أمام الهيئات العالمية؟ ومن يحرص على مستقبلهم في دمشق المرتقبة؟

وفي مرأى تصريحات المبعوث الأمريكيّ المترددة بين التصعيد والفتور، يتبدى هشاشة ناقلٍ كورديٍّ موثوق، يرفع راية الانتماءِ المؤسَّس، ويمتلك خطابًا عقلانيًّا ومؤسساتٍ صامدة، يُناهض هشاشة التفويض الشعبي والوطني، ويقترن بالفعالية في مصاف المفاوضات.

غير أن ثقل الكورد في البُعد الاستراتيجي ليس خافتًا أو متراجعًا؛ فشرعيتهم العسكرية؛ المُقرة من التحالف الدولي، والثروات النفطية والحبوبية والمائية، وتجربة الإدارة الذاتية، والدعم الشعبي الغامر، كلُّها أوراق قوةٍ تنبضُ بالحياة، وتحتاجُ إلى مؤسسيةٍ اقتصادية ودبلوماسية تُفعلها، فتستعيد لمشروعهم بعده التفاوضيّ الفاعل، وتحقن به شرايين الحضور.

ولتحويل هذه الأوراق إلى واقعٍ تُجلى خطوطه على خارطة العالم، لا بدّ من خمس رياحين تدفع المشروع الكوردي إلى الأمام: هيئةٌ عليا تتحدث باسم الأمة، وحملةٌ دبلوماسيةٌ تضجُّ في برلمانات العواصم، ومجلسٌ اقتصاديٌّ يشرعُ شراكاتٍ مستدامةً، وملفُّ قانونيٌّ يُرفعُ إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومنصة إعلاميةٌ تروّج الرواية الكوردية بلغة العصر.

فيا قيادة السياسة الكوردية، إن الساعة قد حانت للتجليّ، وإلا فمصيركم البقاء في هامش التاريخ، فيما يُعاد رسم خريطة البلاد من جديد. فاختاروا أن تكونوا صانعي اللحظة، لا شهودًا عليها؛ فالفرصة اليوم ليست منتظرةً، بل داعيةٌ لمن يجرؤ على صناعة قدره بنفسه.

السويد

13.07.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…