الحمض النووي يلم شمل كردي عائد إلى حلبجة وأمه بعدما فرقهما «الكيماوي» 20 عاما

 

حلبجة: آسو أحمد *


قبل عقدين من الزمن من قصف قوات الرئيس العراقي السابق صدام حسين لمدينة حلبجة الكردية بالأسلحة الكيماوية وتشتيت عائلته، عاد علي أسمين إلى المدينة بعد أن غادرها وهو ابن أربعة أشهر ليعيش مع أسرة بالتبني في إيران.

رحلة علي الطويلة انتهت الخميس، عندما كشف القاضي عن نتائج تحليل الحمض النووي (دي إن إيه) الذي أجري للشاب مع ست عائلات يائسة كان تطمح كل منها في أن تجد فيه ابنها الذي ضاع في هجوم مارس (آذار) 1988، والذي تزعم بعض المصادر أن عدد القتلى فيه وصل إلى 5.000 شخص.


قال علي أول من أمس «أردت أن أعود إلى موطني، لكني وجدت عائلتي قتلت، وأمي تعيش بمفردها».

وخلال احتفاله في منزل والدته تصفح صورا لأفراد عائلته الذين قضوا خلال الحملة العسكرية الوحشية ضد الأكراد في أواخر الثمانينات.

تلك العملية التي سميت بالأنفال دمرت قرى وأرسلت عائلات إلى معسكرات الاعتقال، حيث اختفى ما يقرب من 182.000 شخص.


خلال قصف قوات صدام لمدينة حلبجة التي استولى عليها المتمردون الأكراد والجنود الإيرانيون قرب نهاية الحرب العراقية الإيرانية التي دارت رحاها على مدار ثماني سنوات، قتل والد علي وخمسة من أقربائه، أما علي الذي كان يبلغ من العمر حينها أربعة أشهر فأنقذه الجنود الإيرانيون.

عندما عاد إلى حلبجة وقف الشاب يحملق في الفضاء مع غناء الأقارب يغمره الحزن على عدم لقاء والده وإخوته وأخواته.

في الليلة التي سبقت معرفته بأن اسمه زيمينكو محمد أحمد بدا وكأنه لا يزال يحتفظ بمشاعره.

وقال علي الذي لا يعرف اللغة الكردية ولا يتحدث سوى الفارسية وقد عمل جيرانه كمترجمين له «إنني أحترم العائلات الكردية والشيعية».


كانت فاطمة محمد صالح والدة علي ذاهبة إلى السوق مع أبنائها الستة أثناء قصف الجيش العراقي لحلبجة، وتتذكر سماع أحد أبنائها يصرخ قبل أن تغيب عن الوعي يقول لها: «أمي إنني أحترق».

أخلت القوات الإيرانية الجرحى وأفاقت فاطمة في المستشفى في طهران.

لتبدأ بعد ذلك رحلة محاولة جمع شتات الأسرة، فبدأت في توزيع النشرات وبحثت عن أطفالها في العاصمة الإيرانية، لكنها لم تلبث أن عادت إلى العراق بمفردها.

ما لم تكن فاطمة تعلمه هو أن الجنود الإيرانيين وجدوا علي يبكي على الأرض، وخطط الجيش لإرساله إلى أحد الملاجئ الإيرانية، لكن متطوعة إيرانية اسمها كوربا حميد بور تبنته، وأطلقت عليه اسم علي، وربته مع ولديها في منطقة شرق إيران.


ويروي علي عن ذلك بالقول «كانت أمي بالتبني لطيفة معي، وقد أخبرتني عندما ذهبت إلى المدرسة الابتدائية أنني من حلبجة، وأنني فصلت عن أمي وأبي، وأنني بحاجة إلى معرفة عائلتي».


بعد وفاة أمه بالتبني بثلاث سنوات شعر علي بأن عليه البحث عن والديه، ومن ثم اتصل بالحكومة الإيرانية طالبا منهم مد يد العون.

وقال علي: «شعرت بالوحدة ودفعني شعور غريب إلى العودة إلى عائلتي الأصلية وأقاربي».


لكن علي كان يفتقد إلى أوراق الهوية، ومنذ ثلاثة أشهر التقى خبير الأسلحة الكيماوية الذي كان صديقا لأقارب علي الإيرانيين ببعض المسؤولين الأكراد ونقل قضية علي إليهم.

ونظرا لوجود ما يقرب من 41 طفلا مفقودا في هجوم حلبجة تقدمت ست عائلات زاعمة أن علي ابنها.

لذا قررت السلطات الكردية اللجوء إلى تحليل الحمض النووي، وأعلنت النتائج ليلة الخميس.

وأول من أمس عانقت فاطمة البالغة من العمر 58 عاما ابنها، الذي أصبح رجلا، والذي كان يرتدي السروال الكردي الفضفاض وسترة قصيرة.

كانت تضحك وهي تضم ابنها.


وقالت «هذه والله دموع السعادة.

إنني لا أستطيع أن أفهم أو أعي ما يحدث.

هل أنا أحلم؟ إن ذكرى فقد عائلتي بالكامل لا تفارق مخيلتي».

* خدمة «لوس أنجليس تايمز» خاص بـ«الشرق الأوسط»

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شـــريف علي تعيش الجماهير الكوردية في غرب كوردستان الذكرى التاسعة والستين لتأسيس أول تنظيم سياسي كوردي في هذه الجغرافيا، ذلك التنظيم الذي شكل رافعة نضالية تاريخية وجسد الطموحات التحررية للشعب الكوردي، ورسخ لأول مرة ملامح العمل السياسي الكوردي المنظم في مواجهة سياسات الإقصاء والإنكار . غير أن هذه الذكرى، بما تحمله من رمزية نضالية عميقة، تتقاطع اليوم مع واقع حزبي…

هجار أمين في صيف 2026، وبالتحديد يومي 7 و 8 يوليو / تموز، تستضيف تركيا قمة حلف شمال الأطلسي، حيث سيقف الرئيس رجب طيب أردوغان أمام اثنتين وثلاثين دولة، ليس بوصفه رئيساً فحسب، بل بوصفه “سيد المشهد” الذي روّض الداخل وأحكم قبضته على الدولة، لكن الطريق إلى تلك اللحظة ليس مفروشاً بالورود، إنه مسار محفوف بهندسة سياسية معقدة تهدف إلى…

حسن قاسم منذ أكثر من قرن، ظلّ الكورد في الشرق الأوسط يعيشون بين مطرقة الجغرافيا وسندان المصالح الدولية. وفي كل محطة مفصلية من تاريخهم، عادت الأسئلة ذاتها إلى الواجهة: هل الكورد مجرد أداة بيد القوى الكبرى؟ هل تحالفاتهم مع واشنطن أو غيرها تجعلهم “مرتزقة”؟ أم أن هذه التحالفات كانت، وما تزال، محاولة واقعية لحماية وجودهم والسير نحو حلم تاريخي مؤجل…

لاوين ابراهيم لا يمكن فهم القضية الكردية من خلال عامل واحد، فهي نتاج تفاعل طويل بين ظلم تاريخي تعرض له الكورد، وبين تحديات داخلية رافقت مسيرتهم السياسية عبر العقود. وبين هذين العاملين تشكلت تجربة مليئة بالتضحيات والفرص الضائعة والإنجازات الجزئية التي لم ترتقِ غالباً إلى مستوى الطموحات. ومن الضروري عند الحديث عن هذه التجربة الاعتراف بحجم التضحيات التي قدمتها أجيال…