“الربيع العربي”  ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟

اكرم حسين

شهدت منطقة الشرق الاوسط في أواخر عام 2010 حدثاً تاريخياً عظيماً تمثّل في ثورات “الربيع العربي” ، التي اجتاحت العديد من الدول، وأسقطت أنظمة حكم استبدادية استمرت لعقود. انطلقت هذه الثورات تحت شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وكان لها دور كبير في هز أركان الحكم الدكتاتوري في العديد من البلدان، بل وأدت إلى حروب أهلية في بعض الأحيان ، ومع ذلك، فقد تسببت هذه التحولات في نتائج مأساوية، شملت تدخلاً خارجياً واسعاً، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفاقم النزاعات الداخلية.

وهنا يُثار السؤال الجوهري: هل كانت هذه الثورات تجسيداً حقيقياً لإرادة الشعوب أم أنها جزء من مخطط أكبر لإعادة تقسيم المنطقة، مشابه لما أحدثته اتفاقية سايكس بيكو” عام 1916؟  تلك الاتفاقية السرية التي أُبّرمت بين بريطانيا وفرنسا، والتي رسمت الحدود السياسية للشرق الأوسط بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، من دون مراعاة التراكيب الاجتماعية والعرقية والثقافية للمجتمعات المحلية. فقد قسمت هذه الاتفاقية المنطقة بخطوط مستقيمة فوق الرمل، مما أسهم في خلق إرث من الانقسامات والصراعات ، وهذا بدوره أدى إلى تنكر الوعود التي قطعت لشعوب المنطقة بحقهم في  تقرير مصيرهم، وتركت جرحاً عميقاً في ذاكرة الشعوب.

ورغم مرور أكثر من مائة عام على هذه الاتفاقية، يرى العديد من المحللين أن النموذج الجيوسياسي الذي فرضته لا يزال قائماً، بل تجدّد بأدوات ووسائل أكثر تطوراً تتناسب مع العصر الحديث. وهذا يفتح المجال للحديث عن سايكس بيكو جديد، ما يُثير مشاعر القلق لدى الشعوب التي عانت من تداعيات وآثار هذه الاتفاقية التاريخية.

لقد كانت ثورات الربيع العربي نتاجاً لأسباب داخلية عديدة ، أبرزها عقود من القمع السياسي، والفساد المالي والإداري، والظلم الاجتماعي والاقتصادي، ولا سيما بين الشباب الذين عانوا من البطالة والتهميش  ، ما جعل تلك الاحتجاجات حركة غير نخبوية منظمة ، بل جاءت  تعبيراً عن غضب جماهيري نتيجة المعاناة المستمرة ، وقد كانت حادثة إحراق الشاب التونسي محمد البوعزيزي لنفسه الشرارة التي أشعلت فتيل هذا الغضب المتراكم.

تميزت الحركات الاحتجاجية في بداية الثورة بعفويتها وطابعها اللامركزي، حيث اعتمدت بشكل رئيسي على شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام في التنسيق والتنظيم بعيداً عن القيادات التقليدية. إلا أن غياب قيادة موحدة ورؤية استراتيجية واضحة جعل تلك الثورات عرضة للاختراق، ما أدى إلى ضعف تأثيرها على المدى الطويل.

وبينما تحولت بعض الثورات في سوريا وليبيا واليمن إلى ساحات لصراعات إقليمية ودولية بالوكالة، تدخلت قوى خارجية تسعى لتوظيف الوضع لصالح مصالحها الخاصة. هذا التحول من المطالب السلمية إلى الحروب الأهلية عزّز من فرضية المؤامرة” وأدى إلى ربط هذه الثورات بمخططات تقسيمية جديدة ، وقد ساهمت التدخلات الأجنبية في تفكيك الدولة في عدة بلدان ، مما حول أحلام التحرر إلى كوابيس من العنف والتهجير، وأفقد الشعوب السيطرة على مصيرها وتطلعاتها.

من المهم ، هنا ، أن نُميّز بين “الربيع العربي” واتفاقية “سايكس بيكو”، حيث تختلف الدوافع والأهداف بشكل جذري. فبينما كانت اتفاقية “سايكس بيكو” اتفاقية سرية بين دول لاقتسام مناطق النفوذ، جاءت ثورات الشعوب نتيجة احتجاجات شعبية عفوية تطالب بالحرية والكرامة والعدالة والمساواة . مع اختلاف  آليات التدخل في هذه الثورات  بشكل كبير عن تلك التي استخدمتها القوى الغربية  في الماضي، حيث اعتمدت القوى الدولية في هذه الثورات على الحروب بالوكالة، والعقوبات الاقتصادية، والتأثير الإعلامي ، ورغم اختلاف الأساليب، فإن كلا الحالتين أدت، وإن بطرق متفاوتة، إلى زعزعة استقرار المنطقة وإضعاف سيادة دولها.

التفسير الذي يختزل “الربيع العربي”  في كونه مؤامرة تقسيم جديدة” يعاني من قصور منهجي، لأنه يغفل الإرادة الشعبية الحقيقية , ويقلل من أهمية السياقات المحلية المتباينة. كما أنه يتجاهل النجاحات النسبية لبعض الدول، مثل تونس التي استطاعت الحفاظ على تماسكها السياسي. فما جرى يمثّل حالة معقدة من تداخل العوامل الداخلية والخارجية، حيث كانت الثورات في جوهرها تعبيراً عن غضب جماهيري متراكم، لكن غياب البديل السياسي المنظم، والافتقار إلى بنية ديمقراطية، إضافة إلى استعداد القوى الخارجية لاستغلال الفوضى، أسهم في تحول تلك الثورات إلى حروب أهلية دامية.

ما تحتاجه المنطقة اليوم هو مراجعة جذرية لعلاقة الدولة بالمجتمع، وبناء أنظمة سياسية تتشارك فيها الشعوب وتحفظ كرامتها. فالدول التي تتمتع بشرعية شعبية وتستند إلى قواعد ديمقراطية هي وحدها القادرة على حماية سيادتها ووحدتها، وضمان الأمن والاستقرار لشعوبها في مواجهة محاولات الهيمنة والفوضى ؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس   لم يترك المتربصون بالأمة الكوردية وسيلةً قذرة إلا واستخدموها ضدها؛ من توسيع شروخ الخلافات الداخلية، والطعن في مصداقية قياداتها، والتشكيك في وطنية حراكها، إلى تشويه تاريخها، وتحويل نضالها القومي إلى مادة للابتزاز الإعلامي والسياسي. لم يكتفوا بذلك، بل سعوا دائمًا إلى تأليب الدول الكبرى عليها، وصناعة تحالفات إقليمية قائمة على العداء للوجود…

عبدالله كدو بمناسبة تغيير اسم حزب العمال الكردستاني pkk إلى الحركة الآبوجية، كتحصيل حاصل لما بلغه الحزب من تنازل عن القومية الكردية، وخاصة بعد اعتقال زعيمه عبدالله أوجلان في شباط عام 1998، حيث استبدل الأمة الكردية بالأمة الديمقراطية، وتم تسريع وتيرة تخليه عن القومية الكردية بعد “طوفان الأقصى” الذي أطاح بكل التيارات والأحزاب الموالية لحكومة إيران الإسلامية، ومنها pkk المدعوم…

تقرير سياسي من تيار مستقبل كردستان سوريا ، حول الأوضاع في سوريا في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريا، وبعد مرور أكثر من عام وعدة أشهر على تشكيل حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، يجد تيار مستقبل كردستان سوريا نفسه مضطراً لتوضيح موقفه من مجمل القضايا الوطنية في سوريا، وفي مقدمتها القضية الكردية، وكذلك تقييم أداء السلطة الحالية في دمشق….

فواز عبدي   في كل مرة يغادرنا قيادي كردي إلى مثواه الأخير، تتكرر ذات المسرحية: بعد حياة سياسية صاخبة حافلة بالانقسامات، والمناكفات، والتحزّب الضيق، وبعد أن يضع رجلاً في القبر وتبقى الأخرى معلقة في الهواء، يخرج علينا ببيان أو منشور أو وصية أخيرة، تتساءل – ببراءة الموتى – “كيف السبيل إلى اتفاق الكرد السوريين؟” يا للمفارقة! يا لسخرية القدر! Weyla…