عن علاقة دمشق بالأطراف داخلياً

فرحان كلش

 

سقط نظام، أُستحضِر نظام، مع البقاء على أسس الحوكمة ذاتها وإن بتبديل الحواضن الإجتماعية، وتحوير الخطاب السياسي من القومچة إلى الأسلمة، خطاب مشبع بصيغ الوطنية والشعبوية متطرقاً لقضايا عامة ترد عادة في هكذا مناسبات.

رأس الإدارة الغامضة يتجلّى، بل يعبر عن ذاته في استحضار بصري خاوٍ، قيافة مبنية على ماضٍ مرتبك، و محاولات يائسة وفاشلة في استحضار مفردات لغوية من قاموس الحداثة السياسية، كون البنية الفكرية فاضحة إن استرسل في غياهبها.

إن عملية تدوير القديم مع البقاء على الزوايا الحادة فيه جارية بسلاسة، مؤتمرات مفرغة من التطرق لأس الأزمة السورية سياسياً و اقتصادياً وثقافياً، لقاءات مع استخدام لوازم التطمين الدولي من لغة ومظهر خارجي، إنه إلتفاف وقح على قيم الثورة المفترضة باسلوب استخباراتي مهني.

غير أن الداخل يشهد جملة صراعات مميتة بالنسبة لدولة يُراد هيكلتها افتراضا، دمشق لا تربطها اللحظة أي رابط بأطرافها الثلاثة، غربها متهم بالتشبيح المجتمعي للنظام البائد، وجنوب متهم بالعمالة لدولة أجنبية، وشمال شرق يُصب عليه جام غضب إدارة دمشق وشبيحتها الجدد، ناعتة إياها بالإنفصال وتشكيل كيان معادٌ، فأي وطن ذلك المبتورة أطرافه، والممنوعة عليها حتى المشاركة في الأحاديث المتعلقة بمستقبل البلاد، مركز يستولي على مصائر الأطراف لا يمكنه أن يكون بمثابة حاضنة هذا الكل المشتت نتيجة سياسات الإدارة في دمشق التي تنفذ نوعين من الأجندات ضد المكونات السورية الأخرى.

فهي منهمكة في كيفية تنفيذ توجهات وتعليمات الأتراك المتعلقة بتهميش دور الكرد في مستقبل سوريا، بل وضرب مصادر قوة الكرد في هذه اللحظة المتمثلة بقوات قسد، والتي تشكل هاجس الأتراك الأساس في سوريا، و كذلك تحاول هذه الإدارة تطبيق أجندات دينية مذهبية من خلال محاولة جر المختلفين معها إلى حضنها قانعة راضية بما يُقسم لها من أسياد البلاد الجدد.

كان من المفترض أن يكون مؤتمر الحوار الوطني الشكلي والذي تم سلقه على عجالة لأهداف خارجية، مؤتمراً للمختلفين، مؤتمراً للقوى الفاعلة في البلاد، للقوى الرئيسة في اللوحة السياسية السورية، غير أن ما تم هو تجاهل حقائق الواقع السوري، كل ذلك سيشكل خطوات متراجعة عن إيجاد الحلول الواقعية لبلد متعدد القوميات والأديان والطوائف والثقافات.

إن الإدارة الجديدة تهدف السيطرة على مفاصل الدولة وثم ستحاول ربط الأطراف بالمركز ولو بالقوة و دون حل المسائل العالقة والأزمات المتراكمة، وبذلك ستتشكل سورية التي تئن من الداخل، سورية القابلة للإنفجار مرة أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن الصورة الخارجية للبلاد كما يصورها الإعلام الموالي غير الصورة الحقيقية من الداخل، هذه الحقيقة التي تشير إلى أن البلاد مقسمة إلى عدة كانتونات غير منسجمة مع بعضها، و في حال التأخير في حل القضايا العالقة مع هذه الأطراف، ستكون إدارة دمشق مسؤولة عن الوصول إلى ما يمكن تسميته بطريق اللاعودة، وتشكيل كيانات تحمل مسميات ما، لا يمكن السيطرة عليها في النهاية.

إن علاقة دمشق بالأطراف داخلياً إن بقيت تسير وفق هذه الوتيرة من التخاصم والفوقية في التعاطي، فستكون قد وصلت إلى الطلاق البيّن، وإن يكن ليس بالترسيم الجغرافي، ولكن بالبعد المجتمعي والسياسي على الأقل، و بالتالي تشكيل معارضات سياسية مدمرة لاحقاً.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…