متاهة التوافق المدمر: تركيا، إسرائيل والرقص الدقيق للشرق الأوسط

 بوتان زيباري

 

في هذه المغامرة السياسية التركية المليئة بالإيحاءات، يمكن قراءة الانتقاد الصارخ الذي أطلقه أردوغان على المسرح كمحاولة لكبح مزاعم التواطؤ في السياسة الداخلية، وكتعريف للقلق العميق والخوف الذي ينتابه. هذا الخطاب، الذي يشبه قناعًا ذا وجهين، يعكس رغبة تركيا في تحديد موقعها في الشرق الأوسط حيث تتغير موازين القوى باستمرار، وفي الوقت نفسه يعبر عن حذرها.

 

على الرغم من أن أردوغان، من خلال خطابه الحاد والمتحدي تجاه إسرائيل، يبدو وكأنه يقوم بخطوة قد تدفع خصمه إلى الزاوية، إلا أنه لم يتمكن بعد من إظهار قوة كافية لزعزعة صبر وهدوء إسرائيل. في جوهر هذا الأمر، تكمن التبعية العميقة لأردوغان لأمريكا؛ هذا النهج الذي لا يتحمل هشاشة الإشارات الأمريكية، يشير إلى تقدمه المتوافق تمامًا مع السياسات الأمريكية على الرغم من تحركاته الخطابية. من ناحية أخرى، فإن دعمه لقضية فلسطين، ورغبته في قيادة العالم الإسلامي، تزينها جمالية رمزية لحمل العلم، في حين أن البحث عن قطيعة حادة مع إسرائيل في التجارة والتدفقات الاقتصادية والإمكانيات الاستراتيجية، يخلق في النهاية مجالًا للتوتر الشديد.

 

تصريحات نتنياهو التي تشير إلى عمليات إعادة تصميم القوة في المنطقة، تؤكد أن التاريخ الجديد سيُكتب، وأن الموازين وكتل القوة ستُعاد رسمها بشكل مثير، بينما يمكن رؤية آثار القلق الخفي لدى أردوغان في هذه الانتقادات، وقلقه من عدم اليقين المستقبلي. تظهر قضية لبنان كواحد من أكثر الأمثلة إثارة لهذه المخاوف؛ مثل ذكرى قادمة من أعماق التاريخ، في عام 1958 تم تقديم أول عرض لإرسال قوات بناءً على طلب أمريكا، بينما تجلب الخطابات المماثلة اليوم احتمال إرسال تركيا لقوات مرة أخرى. إذا تم طرح مشروع للقضاء على حزب الله، فإن طلب وجود الجنود الأتراك في تلك الجغرافيا، سيتسبب في إعادة النظر في الاستراتيجية الإقليمية وموازين القوى.

 

يفتح الستار على مشهد آخر، حيث يقوم بهاجيلي وبعض الشخصيات الأخرى، خاصة في سياساتهم تجاه إيران والعراق وسوريا وتركيا، بخطوة خطيرة في الساحة الاستراتيجية من خلال لعب “ورقة الكورد”. هذا يعمق شعور أردوغان بعدم الأمان؛ وما يختبئ وراء ستار الضباب الاستخباراتي، وما هي المعلومات التي أثارت هذه الانتقادات، لا يزال موضوع نقاش، لكن كل شيء لا يتجاوز مستوى التكهنات. في المنطقة، النتائج التي تسعى إسرائيل لتحقيقها على الجبهة اللبنانية، قد تجلب معها احتمال إثارة الفتنة والفوضى مرة أخرى في سوريا؛ على الرغم من القوة العدوانية لإسرائيل، إلا أن تدخل إيران ولبنان قد زعزع، ولو بشكل طفيف، تلك الصورة “التي لا تقهر”.

 

وسط كل هذه الديناميكيات المعقدة، كانت السياسة الخارجية التي تبنتها تركيا ونفذتها خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية، في تعاون مستمر مع مهمة تأمين إسرائيل وحماية مصالح أمريكا في المنطقة. منذ عام 2002، تم عرض زعيم الحزب في البيت الأبيض، وتم تقديم عروض شراكة في صراعات مثل أفغانستان والعراق؛ في مناقشات البرلمان، تم التعبير عن وعود بأن تركيا ستكون اللاعب الأول في الاحتلال إذا تم تمرير المذكرة، كل ذلك كجزء من الموقف الاستراتيجي لتركيا الذي أخذ مكانه على مسرح التاريخ. هذه السياسات، بينما تخدم مصالح إسرائيل في المنطقة، تكشف أيضًا أن تركيا جزء من مواجهة طويلة الأمد.

 

في السويد، في الاجتماعات التي ضمت مستشارين رفيعي المستوى من الساحة الدولية، تم طرح رأي مفاده أن “أكبر عدو لنا هو سوريا”، مما يشبه سيناريو داخلي مثير للصدمة؛ سوريا، التي تكاد تنهار على ركبتيها دون حتى حفرة نار واحدة، يتم التعبير عنها باستعارة “القدر الذي يحترق من الداخل”، بينما تكشف الاستراتيجيات السياسية الكامنة وراء هذا الوضع صورة تواصل دفع ثمن السياسات التي يتبعها حزب العدالة والتنمية.

 

كل هذه المناقشات يتم متابعتها وتقييمها عن كثب من قبل النقاد والمراقبين في أنقرة. لكن السؤال الأساسي هو: ماذا تفعل تركيا في مواجهة التهديد الذي تمثله إسرائيل؟ باختصار، تلك الخطابات الشاقة والمتناقضة تتوافق مع الصمت في التطبيق؛ بينما يغذي الخطاب جو عدم الأمان والتكهنات في السياسة الداخلية، فإن غياب الخطوات الاستراتيجية الحقيقية يثير تساؤلات حول صدق هذا الخطاب.

 

في النهاية، يحتوي خطاب أردوغان على كل من قناع السياسة الداخلية والمناورات المعقدة للسياسة الخارجية. تركيا، لا يمكنها أن تكون قوة تتحدى خصومها بشكل كامل، ولا يمكنها أن تصبح مدافعة بشكل كامل. عندما يجتمع التأثير القوي لأمريكا في المنطقة مع القوة التي لا تقهر، بل والمخيفة أحيانًا، لإسرائيل، تشير المعضلات التي تواجهها تركيا إلى مدى هشاشة التوازنات في المنطقة. على الرغم من أن التاريخ يذكرنا بسيناريوهات تضيع في مياه النهر الجارية، إلا أن هذا السيناريو يكشف مرة أخرى عن البنية غير المتوقعة والمعقدة للشرق الأوسط اليوم؛ ويظل الدور الذي ستلعبه تركيا في المستقبل مخفيًا في أعماق المتاهة التي تخلقها كل هذه القوى المتعارضة.

السويد

16.02.2025’’

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباسط سيدا الوضع الدولي على غاية التعقيد، وكذلك الوضع الإقليمي، وهذا يعود إلى عجز النظام العالمي، الذي توافقت بشأنه القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية 1939-1945، على مواكبة التطورات والمتغيرات التي استجدت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وقد تمثّل في تراجع المكانة الاستراتيجية لبعض القوى الدولية المؤثرة، وانشغال روسيا بأوضاعها الداخلية، وبروز الصين كقوة اقتصادية عملاقة تمتلك رؤية مستقبلية…

صلاح عمر في زمنٍ تُدار فيه الحروب على منابع الطاقة، وتُرسم فيه خرائط النفوذ بخطوط النفط والغاز، تبدو المفارقة في روجآفاي كردستان أكثر قسوةً من أن تُحتمل. فهنا، لا يدور الصراع على من يملك الثروة… بل على من يُحرم منها، رغم أنها تخرج من أرضه، وتُحمَّل أمام عينيه، وتغادر دون أن تترك له سوى طوابير الانتظار. في الوقت الذي يتصاعد…

اكرم حسين تقتضي الضرورة التاريخية الراهنة، أكثر من أي وقت مضى، إجراء مراجعة نقدية للمسارات السياسية التي سلكها الوعي الجمعي السوري منذ منتصف القرن العشرين، حيث ظلّت الدولة والوجدان العام رهيناً لمشاريع أيديولوجية شمولية حاولت قسراً صهر الوجود السوري المتعدد في أطر “فوق-وطنية”، مستندةً في ذلك إلى شعارات العروبة “الراديكالية ” أو”الأممية” الدينية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والواقع المعاش…

سرحان عيسى بدايةً، لا بد من التأكيد على الاحترام الشخصي والتقدير للأستاذ عبدالله كدو، لما يمتلكه من تجربة ورؤية تستحق النقاش. غير أن هذا الاحترام لا يمنع من الوقوف عند بعض النقاط الجوهرية التي وردت في مقاله، خاصة حين يتعلق الأمر بمسار الحركة السياسية الكردية في سوريا ومستقبلها. إن الدعوة إلى تفعيل الطاقات والكفاءات الكردية السورية هي دعوة محقة ومطلوبة،…