حول إمكانية التغيير البنيوي بعد اسقاط النظام السوري

فرحان كلش
كان التغيير الجذري في بنية النظام المطلب الأكثر أهمية منذ انطلاقة الثورة السورية، وبعد اسقاط النظام بات هم هذا التغيير أكثر إلحاحاً بل يعتبر التغيير في كافة مفاصل الدولة وبُنى السلطة بمثابة پارومتر فعلي لنجاح الثورة أو فشلها.
وبالمقارنة بين ما كان قائماً والعهد الجديد، سنلاحظ بأنه رغم إعلان (هتش) الجهة العسكرية التي تدير البلاد الآن عن إنتهاء الثورة والبدء ببناء الدولة، أنه ليست هناك فروقات بين الزمنين بل هما متقاربان تماماً رغم أنه لا رأي فصل في تقييم الوضع نهائياً و لا حسم البتة في الموقف.
فعلى صعيد الدولة، التي من مكوناتها الأرض والجغرافيا، فهي خارج نطاق الدولة بحكم الاقتطاعات التي قامت بها دول الجوار السوري كتركيا واسرائيل اللتان تسيطران على أجزاء من هذه الجغرافية تحت يافطة حماية الأمن القومية تركياً، وحماية الجبهات أمنياً بالفهم الإسرائيلي، وبذلك تفتت الجغرافيا السورية(وإن بشكل مؤقت كما يُقال) أكثر مما كانت عليه.
و بالنسبة للشعب فهو الآن تُبنى بين مكوناته حواجز الحقد والكراهية (ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي مثالاً) وباتت هذه المكونات تتقوقع على ذاتها دون أن نشهد بوادر حل الإشكالات المؤدية إلى مثل هذا الصراع المجتمعي الصعب الإلتئام.
في خضم هذا التبعثر نفتقد إلى حكومة شرعية فيما عدا(الشرعية الثورية) وهي تعبير عن إنتقال السلطة إلى جهة أخرى، أي المحطة الأولى صوب ما نقصده من تغيير، والإدارة العسكرية(نسبة إلى الجهة التي مارست فعل العسكرة للوصول إلى السلطة، رغم ما شهدناه من عملية مفاجئة حصل خلالها تبديل الأدوار في دمشق) تحتاج الإعتراف الدولي والداخلي، حتى بهذه النقطة فهناك تراجع عما كان واقعاً مع السلطة السابقة بغض النظر عن أنها كانت تمارس الديكتاتورية ضد الشعب السوري.
ولا تملك هذه الإدارة كذلك السلطة على كامل التراب السوري بفعل تواجد سلطات أمر واقع على جزء كبير من الجغرافية السورية.
وفي ظل غياب الدستور والقوانين الناظمة لعمل دوائر الدولة، يمكننا القول فإن مكونات الدولة غير مكتملة الآن في سوريا، وما هو موجود هو حالة فراغ سياسي – دستوري قد تشكل حاجزاً أمام أسس بناء الدولة، أو محاولة الإدارة الجديدة تمرير بعض القوانين الخاصة التي تخدم بقائها كسلطة أمر واقع في دمشق، مثلما يحدث في ما يسمى ببناء جيش وطني، وضم جموع من اللاسوريين بل الذين يُتهمون بالإرهاب واعطائهم رتباً عسكرية داخل هذه المؤسسة التي من المفترض أن تكون حيادية، وغير خاضعة لرغبات هذه الإدارة أو أية جهة ستتحول لاحقاً إلى سلطة دمشق الشرعية.
ويمكن القول بأنه رغم وجود سلطات الحكومة فعلياً عدا السلطة التشريعية التي حُلت مع البرلمان بتوقيف العمل بالدستور، ولكنها غير مفعلة لعدم وجود حكومة تدير هذه السلطات التنفيذية والقضائية.
هنا، ورغم هذا اللاتوازن تبدو فرص التغيير متاحة، ولكن ماهو نوع هذا التغيير واتجاهه وعمقه؟
ما ألاحظه أن الإدارة الحالية تختلف عن السلطة المخلوعة في جملة محاور وتتماهى معها في محاور إخرى، فالجهتين ترفعان شعارات غير جامعة، فالبعث السابق رفع شعار القومية العربية، وجعلها محور ارتباطاته وعلاقاته السياسية، كعمله ضمن ماسمي بمحور المقاومة، فيما الآن ترتكز الإدارة الجديدة بنيوياً على الطائفة السنية، وتحاول تجميع بقية المكونات السورية حول مصالح هذه الفئة من الشعب السوري.
فالشعاران مؤذيان ولا يؤديان إلى سورية للجميع، فضلاً عن أن ذلك يضعها في محاور سياسية جديدة، هذه المحاور التي آذت سورية والشعب السوري طويلاً.
أما على الصعيد الاقتصادي فالجهتان تتبنيان الليبرالية الاقتصادية ولو تحت مسميات مختلفة، هذا وقد كان التدهور الاقتصادي دافعاً أساسياً في الاحتجات الجماهيرية الأولى ضد النظام السابق.
هذه خلطة الواقع السوري، ومنها من المفترض إحداث تغييرٍ تخيله الشعب السوري على مدار ما يقارب الأربع عشرة سنة، ويعتقد أن هذه هي اللحظة التي من الممكن أن تشكل التاريخ الفاصل مع عهد بائد وقاس على السوريين امتد ما يزيد عن نصف قرن.
إن حجم التضحيات التي قُدمت في سبيل تغيير حياة ومستقبل الناس في هذه البلاد، يتطلب السرعة والعمق في التغيير، والتساؤل الأكثر منطقية حالياً هو هل بإمكان الإدارة الجديدة أن تكون الحامل الفكري للتغيير المنشود، هل تتوفر في سوريا حامل اجتماعي لعملية التغيير الجذري، خاصة ونحن شهدنا جملة تشوهات فكرية واجتماعية على ساحة البلاد، كأفكار متطرفة غير منسجمة مع نمط التفكير الذي كان سائداً، وكحالة التقوقع الطائفي والمذهبي والقومي التي برزت بشكل فاقع تحت ضغط عمليات تداخل الخارج مع الداخل.
نعم، فالتغيير له ظروفه وأدواته وبالتالي ففقهه مضمر في هذه التراكمات، فالظروف كما أتصور غير ناضجة أبداً نحو التأسيس لمجتمع متجانس، ولا الأدوات متاحة لإحداث التغيير البنيوي في مناحي الحياة السورية، وأولى هذه الأدوات هي طريقة تفكير السلطة والمشروع الذي تحمله، فمن هذه الزاوية يشعر الكثير من السوريين بعين الشك إلى الإدارة الحالية كونها من منبع فكري مخيف بالتعبير الملطف.
لهذا كله تبقى مسألة التغيير المنتظرة هدف القوى التي تنظر إلى الثورة كفعل تغيير وليس مجرد تبديل سلطة بسلطة أخرى، و لا تحمل مسؤولية تفكيك الماضي وتركيب حضاري للقادم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…