بناء الذات الثورية: فلسفة الانعتاق وصياغة المصير

 بوتان زيباري
في محاريب الفكر، حيث تتصارع الحقائق في ميدان الإدراك، يسطع مفهوم بناء الذات الثورية كنجم يرشد السائرين في دياجير التاريخ. ليس هو تهيئة الجسد فحسب، ولا مجرد الفهم العابر لمبادئ التمرد، بل هو ارتقاء الذات إلى أوجها، حيث تستعيد جوهرها الأصيل، فتتجلى في أبهى كمالها وتكاملها.
أركان التأسيس: إرادة ووعي وحرية
لا سبيل إلى بعث الذات من ركام التبعية إلا عبر الاعتراف بثلاثية محورية: أولها أن الإنسان، بإرادته الحرة، هو صانع التاريخ لا صنيعة الأقدار. وثانيها أن الوعي الجمعي، إن لم يكن مشبعًا بروح الثورة، يظل أسير الانتهازيين والمتخاذلين الذين يئدون كل ميلاد قبل أن يكتمل. أما ثالثها، فهو أن الإنسان، وإن تقيّد بأغلال بيئته وثقافته، فإنه قادر على كسر قيوده وإعادة نحت هويته على صخرة الإيمان بالتغيير.
في ضوء هذا التصور، تتجلى الرؤية القرآنية للإنسان باعتباره كائنًا متأرجحًا بين قمم الكمال وحافات الهاوية، بين وعيه بمسؤوليته التاريخية وسقوطه في مهاوي الضياع، فإما أن يسمو إلى مراتب الأنبياء، وإما أن ينحدر إلى درك الحيوانية.
التحرر بين زيف الحداثة وقيد التقليد
ما أشد دهاء الاغتراب حين يتجلى في ثوبين متناقضين: الأول هو التقليدية، حيث يسير الإنسان على هدي أسلافه بلا تفكر، خاضعًا لإرث لم يختبر صدقه. والثاني هو الحداثة الزائفة، التي تتظاهر بتحرير العقل، لكنها تستبدل قيود الماضي بقيود مستحدثة، تصوغ الروح في قوالب جديدة لكنها لا تقل استعبادًا عن سابقاتها.
التحرر، إذن، لا يكون في الهروب من قيد إلى آخر، بل في استعادة الإنسان لجوهره، في العودة إلى قيمه الأصيلة التي تناسختها العصور، في امتلاك الوعي الذي يحطم أصنام الاستلاب ويعيد رسم درب الانعتاق.
التكامل التاريخي: مثلث التغيير
وللتاريخ قوانينه، فلا ينهض شعب إلا بثلاثة أضلاع تتشابك لترسم هرم النهوض: أولها الحماس العاطفي، وهو الشرارة التي توقد جذوة الثورة في الصدور. ثانيها التطوير الذاتي، إذ لا إصلاح للمجتمع دون إصلاح للفرد، عبر إدراك نقاط ضعفه وقوته، فيسمو بالأولى ويتجاوز الثانية. وثالثها هو الارتقاء الروحي، حيث تسمو القيم على الواقع، وحيث يتوسل الإنسان بالعلم والتاريخ والتضامن الاجتماعي ليكسر قيود الحتميات المادية، ويحقق إرادته الحرة، وينحت مصيره بيديه.
النماذج الثلاثة: أفق واحد بمسالك شتى
بين الغرب والشرق والإسلام، تقف الذات أمام مفترق طرق، لكل منها دربها وفلسفتها. فماركس وسارتر من الغرب قدّما رؤية تستند إلى جدلية المادة والوجود، والحلاج وبوذا في الشرق رسما مسلكًا صوفيًا نحو الفناء في المطلق، أما الإمام علي، فكان نموذجًا أصيلاً للثائر العارف، الذي جمع بين المعرفة والتضحية والعدل. ولئن بدت هذه الطرق متعارضة، فإن جوهرها واحد: البحث عن الخلاص، لكن الصراع التاريخي ألبسها لبوس التنافر.
وسائل البناء: عبادة، وعمل، ونضال
ليس البناء مجرد تأملات فكرية، بل هو تجربة تفاعلية يعيشها الإنسان عبر ثلاث أدوات لا غنى عنها: العبادة، ولكن ليس بمعناها التقليدي المحدود، بل كتجربة روحية تعيد تشكيل الكيان وتربطه بالمطلق. والعمل الصالح، لا كطقوس فردية، بل كفعل اجتماعي يتجاوز الأنا إلى الجماعة. وأخيرًا، النضال الاجتماعي، الذي يترجم الفكر إلى فعل، والوعي إلى حركة، فلا يكفي أن تدرك الحقيقة، بل لا بد أن تسعى لتحقيقها على أرض الواقع.
الخاتمة: الذات بين الانقياد والقيادة
هكذا تتجلى معادلة بناء الذات الثورية في اكتمال أبعادها الثلاثة: النضال الاجتماعي، الوعي التاريخي، والتطور الروحي. ومن وعى هذه الحقيقة، وألزم نفسه بتحقيقها، كان هو القادر على أن يكون قبطان سفينته، وأن يرسم درب مجتمعه نحو أفق جديد.
وما بناء الذات الثورية إلا مفتاح تحرير الإنسان من قيوده، ليصير صانع التاريخ لا أسيره، ومهندس المصير لا تابعًا لرياح القدر.
……….
السويد
02.02.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…