أحمد الشرع وسوريا الجديدة :هل ينقذها الحوار أم تسقط في الفوضى

أزاد خليل* 

 

في لحظة تاريخية فارقة، أعلنت «إدارة العمليات العسكرية» في سوريا انتصار الثورة السورية، وتكليف أحمد الشرع برئاسة البلاد خلال المرحلة الانتقالية، في خطوة جاءت ضمن حزمة قرارات جذرية تهدف إلى إعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة. هذه القرارات، التي شملت إلغاء دستور 2012، وحل الجيش والأجهزة الأمنية وحزب البعث، ودمج الفصائل العسكرية في مؤسسات الدولة، تعكس طموحاً كبيراً لتجاوز إرث نظام بشار الأسد الذي أغرق البلاد في حرب أهلية مدمرة استمرت لأكثر من عقد. لكن، على الرغم من هذه الخطوة التاريخية، فإن سوريا اليوم تواجه تحديات هائلة تهدد استقرارها ووحدتها، وأبرزها غياب الحوار الوطني الشامل، وفوضى السلام الناتجة عن انعدام الأمن، والتدخلات الإقليمية والدولية، إلى جانب خطاب الكراهية الذي يستهدف بعض مكونات الشعب السوري، وخاصة الأكراد.

 

أحمد الشرع، الذي تولى رئاسة البلاد في هذه المرحلة الحساسة، يواجه مهمة شاقة تتطلب منه ليس فقط إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل أيضاً توحيد شعب مزقته الحرب والانقسامات. في خطابه خلال مؤتمر «إعلان انتصار الثورة السورية»، حدد الشرع أولوياته بملء فراغ السلطة، والحفاظ على السلم الأهلي، وبناء بنية اقتصادية تنموية، واستعادة مكانة سوريا الإقليمية والدولية. لكن هذه الأولويات، على أهميتها، تبقى أهدافاً طموحة في ظل غياب حوار وطني شامل يضم جميع مكونات الشعب السوري، بما في ذلك الطوائف والأقليات والفصائل السياسية المختلفة. فبدون هذا الحوار، قد تتحول المرحلة الانتقالية إلى مجرد تغيير شكلي للسلطة، دون معالجة جذور الأزمة التي أدت إلى انهيار النظام السابق.

 

أحد أبرز التحديات التي تواجه سوريا اليوم هو غياب الأمن وفوضى السلام التي نتجت عن انهيار مؤسسات الدولة. حل الجيش والأجهزة الأمنية، على الرغم من ضرورته لتفكيك بقايا النظام السابق، ترك فراغاً أمنياً خطيراً، خاصة في ظل وجود فصائل مسلحة متعددة، بعضها خارج سيطرة الإدارة الجديدة. هذه الفوضى الأمنية تتفاقم بسبب التدخلات الإقليمية والدولية، حيث تسعى دول مثل تركيا وإيران وروسيا إلى فرض أجنداتها على الأرض السورية. تركيا، على سبيل المثال، تدعم الجيش الوطني في شرق الفرات، حيث تخوض معارك ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في محاولة لإسقاط تجربة الإدارة الذاتية الكوردية. هذه الصراعات تؤدي إلى تعميق الانقسامات وتزيد من صعوبة توحيد البلاد تحت سلطة واحدة.

 

على صعيد آخر، يشكل خطاب الكراهية ضد الشعب الكوردي تحدياً كبيراً يهدد وحدة سوريا. الكورد، الذين قادوا تجربة الإدارة الذاتية في شرق الفرات، يواجهون اتهامات بالانفصالية من قبل بعض الأطراف، بينما يرون أنفسهم كمدافعين عن حقوقهم في ظل دولة سورية موحدة. هذا الخطاب، الذي يغذيه بعض الفصائل وبعض القوى الإقليمية، يعزز الانقسامات الطائفية والعرقية، ويجعل من الصعب بناء هوية وطنية جامعة. إذا أراد الشرع نجاح المرحلة الانتقالية، فعليه أن يتصدى لهذا الخطاب بقوة، وأن يضمن مشاركة الكورد في العملية السياسية، مع تقديم ضمانات لحقوقهم الثقافية والسياسية.

 

غياب الحوار الوطني يظل العقبة الأكبر أمام إعادة بناء سوريا. على الرغم من وعود الشرع بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت وإعداد دستور جديد، فإن هذه الخطوات تحتاج إلى مشاركة واسعة من جميع مكونات الشعب السوري. العلويون، الذين كانوا معقل النظام السابق، يشعرون بالقلق من مستقبلهم، بينما يطالب الدروز في السويداء بحقوقهم الثقافية والسياسية. الكورد كما ذكرنا، يسعون إلى ضمانات لحقوقهم، وتثبيتها في دستور البلاد الجديد في حين تطالب الفصائل السياسية المختلفة بتمثيل عادل في السلطة. بدون حوار شامل يضم هذه الأطراف، قد تفشل المرحلة الانتقالية في تحقيق الاستقرار، وقد تؤدي إلى صراعات جديدة.

 

في هذا السياق، يبرز دور الحوار الوطني كضرورة ملحة. يجب على الشرع أن يدعو إلى مؤتمر وطني شامل يضم ممثلين عن جميع الطوائف والأقليات والفصائل، لمناقشة مستقبل سوريا ووضع دستور جديد يعكس تنوع البلاد. هذا الحوار يجب أن يركز على بناء دولة عادلة تضمن حقوق الجميع، وتعالج مخاوف الأقليات، وتعيد بناء الثقة بين مكونات الشعب السوري. كما يجب أن يتضمن هذا الحوار خطة واضحة لإعادة بناء الأمن، وتوحيد الفصائل العسكرية تحت مظلة جيش وطني، ومعالجة التدخلات الخارجية.

 

في النهاية، مستقبل سوريا يعتمد على قدرة قيادتها الجديدة على تجاوز التحديات وتحقيق وحدة البلاد. إذا نجح الشرع في قيادة حوار وطني شامل، وبناء دولة عادلة تضمن حقوق الجميع، فقد تكون هذه المرحلة بداية حقيقية لإعادة بناء سوريا. أما إذا فشل، فقد تنزلق البلاد إلى فوضى جديدة، مما يطيل أمد معاناة الشعب السوري.
* كاتب وباحث سياسي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباسط سيدا الوضع الدولي على غاية التعقيد، وكذلك الوضع الإقليمي، وهذا يعود إلى عجز النظام العالمي، الذي توافقت بشأنه القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية 1939-1945، على مواكبة التطورات والمتغيرات التي استجدت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وقد تمثّل في تراجع المكانة الاستراتيجية لبعض القوى الدولية المؤثرة، وانشغال روسيا بأوضاعها الداخلية، وبروز الصين كقوة اقتصادية عملاقة تمتلك رؤية مستقبلية…

صلاح عمر في زمنٍ تُدار فيه الحروب على منابع الطاقة، وتُرسم فيه خرائط النفوذ بخطوط النفط والغاز، تبدو المفارقة في روجآفاي كردستان أكثر قسوةً من أن تُحتمل. فهنا، لا يدور الصراع على من يملك الثروة… بل على من يُحرم منها، رغم أنها تخرج من أرضه، وتُحمَّل أمام عينيه، وتغادر دون أن تترك له سوى طوابير الانتظار. في الوقت الذي يتصاعد…

اكرم حسين تقتضي الضرورة التاريخية الراهنة، أكثر من أي وقت مضى، إجراء مراجعة نقدية للمسارات السياسية التي سلكها الوعي الجمعي السوري منذ منتصف القرن العشرين، حيث ظلّت الدولة والوجدان العام رهيناً لمشاريع أيديولوجية شمولية حاولت قسراً صهر الوجود السوري المتعدد في أطر “فوق-وطنية”، مستندةً في ذلك إلى شعارات العروبة “الراديكالية ” أو”الأممية” الدينية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والواقع المعاش…

سرحان عيسى بدايةً، لا بد من التأكيد على الاحترام الشخصي والتقدير للأستاذ عبدالله كدو، لما يمتلكه من تجربة ورؤية تستحق النقاش. غير أن هذا الاحترام لا يمنع من الوقوف عند بعض النقاط الجوهرية التي وردت في مقاله، خاصة حين يتعلق الأمر بمسار الحركة السياسية الكردية في سوريا ومستقبلها. إن الدعوة إلى تفعيل الطاقات والكفاءات الكردية السورية هي دعوة محقة ومطلوبة،…